محمود محمود الغراب
88
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
قلت له : فنكاح الجنة ما فيه نتاج ، فقال : لا تقل ، بل هو نتاج ولا بد ، وولادته نفس تخرج من الزوجة عند الفراغ من الجماع ، فإن الإنزال ريح كما هو في الدنيا ماء ، فيخرج ذلك الريح بصورة ما وقع عليه الاجتماع بين الزوجين ، فمنا من يشهد ذلك ومنا من لا يشهده ، كما هو الأمر عليه في الدنيا ، عالم غيب لمن غاب عنه ، وعالم شهادة في حق من شهده ، قلت له : أفدتني أفادك اللّه من نعمة العلم به ؛ ثم قلت له : هذه سماؤك ؟ قال لي : لا ، أنا متردد بين عيسى وهارون ، أكون عند هذا وعند هذا ، وكذلك عند يوسف وإدريس عليهما السلام ، فقلت له : فلماذا خصصت هارون دون غيره من الأنبياء ؟ فقال لي : لحرمة النسب ، ما جئت لعيسى إلا لكونه ابن خالتي ، فأزوره في سمائه ، وآتي إلى هارون ، لكون خالتي أختا له دينا ونسبا ؛ قلت : فما هو أخوها ، لأن بينهما زمانا طويلا وعالما ، فقال لي : قوله وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ما هذه الأخوة ؟ أترى هو أخو ثمود لأبيه وأمه ، فهو أخوهم ؟ فسمى القبيلة باسم ثمود ، وكان صالح من نسل ثمود ، فهو أخوهم بلا شك ، ثم جاء بعد ذلك بالدين ، ألا ترى أصحاب ليكة ، لما لم يكونوا من مدين ، وكان شعيب من مدين ، فقال في شعيب أخي مدين وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ولما جاء ذكر أصحاب الأيكة قال إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ ولم يقل أخاهم لأنهم ليسوا من مدين ، وشعيب من مدين ، فزيارتي لهما صلة رحم ، وأنا لعيسى أقرب مني لهارون ؛ ثم عرج بي إلى السماء الثالثة إلى يوسف عليه السلام ، فقلت له ، بعد أن سلمت عليه فرد وسهل بي ورحب : يا يوسف لم لم تجب الداعي حين دعاك ؟ ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول عن نفسه : إنه لو ابتلي بمثل ما ابتليت به ودعي لأجاب الداعي ، ولم يبق في السجن حتى يأتيه الجواب من الملك بما تقول النسوة ؟ فقال لي : بين الذوق والفرض ما بين السماء والأرض ، كثير بين أن تفرض الأمر أو تذوقه من نفسك ، لو نسب إليه صلى اللّه عليه وسلم ما نسب إليّ ، لطلب صحة البراءة في غيبته ، فإنها أدل على براءته من حضوره ، ولما كان رحمة كان من عالم السعة ، والسجن ضيق ، فإذا جاء لمن حاله هذا ، سارع إلى الانفراج ، وهذا فرض ، فالكلام مع التقدير المفروض ، ما هو مثل الكلام مع الذائق ، ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم ما ذكر ذلك إلا في معرض نسبة الكمال إليّ فيما تحملته من الفرية عليّ ، فقال ذلك أدبا معي ، لكوني أكبر منه بالزمان ، كما قال في إبراهيم : نحن أحق بالشك من إبراهيم