محمود محمود الغراب

82

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

الملائكة قد حفت بهذا العبد ، انتقل إلى حسه ، فيظهر له في صورة الحس أمورا ، عسى يأخذه بها عما هو بسبيله مع اللّه في باطنه ، وهذا فعله مع كل معصوم محفوظ بأنوار الملائكة حسا في باطنه ، وأما إن كان معصوما في نفس الأمر ، وليس على باطنه حفظة من الملائكة ، فإن الشيطان يأتي إلى قلبه ، وهذا الشخص بكونه معصوما في نفس الأمر ، بالبينة التي هو عليها من ربه ، لا يقبل منه ما يلقي إليه ، هذا إن لم يكن متبحرا في العلم ، ويكون صاحب مقام مقصور عليه ، وأما إن كان صاحب تمكين وتبحر في العلم الإلهي ، أخذ ذلك منه ، فإنه رسول من اللّه إليه ، فإن كان محمودا قلب عينه في مجرد الأخذ ، حيث أخذه عن اللّه ، ولم يلتفت إلى الواسطة ، لعلمه بمحلها عند اللّه من الطرد والبعد ، فينقلب خاسئا ، حيث أراد أمرا فلم يتم له ، بل كان فيه زيادة سعادة لهذا الشخص ، ولكن من حرصه على الإغواء ، يعود إليه المرة بعد المرة ، وإن كان الذي أتاه به مذموما قلب عينه ، فصار محمودا في حقه ، بأن يصرفه على المصرف المرضي ، فينقلب خاسئا ، حيث أراد أمرا فلم يتم له ، بل كان فيه سعادة لهذا الشخص ، فإن كان حال هذا الشخص الأخذ من الأرض ، أقام له الشيطان أرضا ليأخذ منها ، فإما أن يردّه خاسئا ويفرق بين الأرضين ، وإما أن يكون متبحرا ، فيشكر اللّه حيث أعطاه أيضا أرضا متخيلة ، كما أعطاه أرضا محسوسة ، وينظر سر اللّه فيها ، ويأخذ منها ما أودع اللّه فيها من الأسرار التي لم تخطر ببال إبليس ، ويردها اللّه لهذا الشخص زيادة في ملكه ، وإن كان حاله السماء ، فإن الشيطان يقيم له سماء مثل السماء التي يأخذ منها ، ويدرج له من السموم القاتلة ما يقدر عليه ، فيعامله العارف بما ذكرناه في معاملته له بالأرض ، وإن لم يكن في هذا المقام لبّس عليه ، وتجرع تلك السموم القاتلة ، ولحق بالأخسرين أعمالا ، وإن كان حاله في سدرة المنتهى أو في ملك من الملائكة ، جلى له صورة سدرة مثلها أو صورة مثل صورة ذلك الملك ، وتسمى له باسمه ، ثم ألقى إليه ما عرف أنه يلقى إليه من ذلك المقام الذي هو فيه ، ليلبس عليه ، فإن كان من أهل التلبيس فقد ظفر به عدوه ، وإن كان معصوما حفظ منه ، فيطرده ويرمي ما جاء به ، أو يأخذه من اللّه دونه ، ويشكر اللّه على ما أولاه وما زاده ، ثم يرتقي هذا الشخص إلى حال هو أعلى ، فإن كان حاله العرش أو العماء أو الأسماء الإلهية ، ألقى إليه الشيطان بحسب حاله ميزانا