محمود محمود الغراب
83
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
بميزان ، فإن كان من أهل التلبيس ، كان كما ذكرناه ، وإن لم يكن ، انقسم أمره إلى ما ذكرناه ، فقد أعلمتك أن الشيطان لا يجلّي للشخص ، إلا على ما هي عليه حالته في صورة ذلك على السواء ، وعلى ما استقر في ذهنه مما قررته الشريعة ، ألا ترى ابن صياد ، لما أظهر له إبليسه العرش ، إذ كان حاله ، وأبصر ذلك العرش على البحر ، لأنه رأى اللّه تعالى يقول وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فجلّى له العرش على البحر وهو قاعد عليه ، يأخذ عنه ابن صياد ، ويتخيل أنه يأخذ عن اللّه ، فإن اللّه قد قال على ما أخبره به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قوله : وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ماذا ترى ؟ » قال « أرى العرش » قال « أين ؟ » قال « على البحر » فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ذلك عرش إبليس » وخبأ له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة الدخان من القرآن ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « ما خبأت لك ؟ » فقال « الدخ » والدخ هي لغة في الدخان ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « اخسأ فلن تعدو قدرك » يعني إنك ممن لبّس عليه الأمر ، فإنه صلى اللّه عليه وسلم ما خبأ له إلا سورة الدخان ، وهي تحوي على الدخان وعلى غيره ، فما خبأ له الدخان ، فأتاه باسم السورة لا بما خبأ له ، وما قال : سورة الدخان ، وإنما قال : الدخ ، ولم يأت في هذه السورة إلا الدخان لا الدخ ، وإن كان هو بعينه ، فلم يفرق ابن الصياد بين سورة الدخان وبين الدخان ، فجهل ، فلهذا قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « اخسأ فلن تعدو قدرك » حيث جاء من هذه السورة بما يناسب إبليس ، الذي عرفه بذلك ، وهو أن الشيطان مخلوق من النار ، فما رأى من تلك الخبيئة إلا ما يناسبه ، وما عرف أنها سورة الدخان ، فألقى إلى ابن صياد في روعه هذا القدر ، وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم تلفظ باسم السورة عندما عيّنها في نفسه ، فسرقها الشيطان واختطفها من لفظه ، ولو أضمرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نفسه ما عرفها إبليس ، فإنه ليس له على قلبه صلى اللّه عليه وسلم اطلاع ولا استشراف ، بخلاف قلب الولي ، فإن النبي معصوم من الوسوسة في حال نزول الوحي وفي غيرها ، لا فرق ، ألا ترى الشيطان لما علم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهذه المثابة والعناية من اللّه ، في عصمة قلبه من استشراف إبليس عليه ، جاءه في الصلاة في قبلته بشعلة نار مخيلة ، فرمى بها في وجهه ، وغرضه أن يحول بينه وبين الصلاة ، لما يرى له فيها من الخير ، فإنه يحسده بالطبع ، فتأخر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى خلف ولم يقطع صلاته ، وأخبر بذلك أصحابه ، وأما الولي ، فقد يلقي إليه في قلبه ، وقد يسمع منه ما يحدث