محمود محمود الغراب

77

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

ثم أمره أن يدخل البيت المعمور فدخله دون صاحبه ، وصاحبه منكوس الرأس ، ثم خرج من الباب الذي دخل منه ، ولم يخرج من باب الملائكة ، وهو الباب الثاني لخاصية فيه ، وهو أنه من خرج منه لا يرجع إليه ، ثم ارتحل من عنده يطلب العروج ، ومسك صاحبه صاحب النظر هناك ، وقيل له : قف حتى يرجع صاحبك ، فإنه لا قدم لك هنا ، هذا آخر الدخان « 1 » ؛ فبقي هنالك ، ومشى التابع فبلغ به سدرة المنتهى فرأى صور أعمال السعداء من النبيين وأتباع الرسل ، ورأى عمله من جملة أعمالهم ، فشكر اللّه على ما وفقه إليه من اتباع الرسول المعلم ، وعاين هنالك أربعة أنهار : منها نهر كبير عظيم ، فقيل له : هذا مثل مضروب أقيم لك ، هذا النهر العظيم هو القرآن ، وهذه الثلاثة الأنهار الكتب الثلاثة ، التوراة والزبور والإنجيل ، وهذه الجداول الصحف المنزلة على الأنبياء ، فمن شرب من أي نهر كان أو أي جدول ، فهو لمن شرب منه وارث ، وكل حق ، فإنه كلام اللّه ، والعلماء ورثة الأنبياء بما شربوا من هذه الأنهار والجداول ، فاشرع في نهر القرآن تفز بكل سبيل للسعادة ، فإنه نهر محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي صحت له النبوة وآدم بين الماء والطين ، وأوتي جوامع الكلم ، وبعث عامة ، ونسخت به فروع الأحكام ، ولم ينسخ له حكم بغيره ، ورأى السدرة وقد غشاها النور ، فإليها تنتهي أعمال بني آدم السعادية ، وفيها مخازنها إلى يوم الدين ، وهنا أول أقدام السعداء ، والسماء السابعة التي وقف عندها صاحبك منتهى الدخان ، ولا بد لها ولمن هو تحتها من الاستحالة إلى صور كانت عليها ، أو على أمثالها قبل أن تكون سماء ، ثم قيل لهذا التابع : ارق فرقي في فلك المنازل فتلقاه من هنالك من الملائكة والأرواح الكوكبية ، ما يزيد على ألف ، وعشرات من الحضرات تسكنها هذه الأرواح ، فعاين منازل السائرين إلى اللّه تعالى بالأعمال المشروعة ، فلم يزل يقطعها منزلة منزلة ، بسبع حقائق هو عليها ، كما يقطع فيها السبع الدراري ، ولكن في زمان أقرب ، حتى وقف على حقائقها بأجمعها ، وقد كان أوصاه إدريس بذلك ، فلما عاين كل منزل منها ، رآها وجميع ما فيها من الكواكب تقطع في فلك آخر فوقها ، فطلب الارتقاء فيه ، ليرى ما أودع اللّه في هذه الأمور ، من الآيات والعجائب الدالة على قدرته وعلمه ، فعندما حصل على سطحه ، حصل في الجنة الدهماء ،

--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ .