محمود محمود الغراب
78
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
فرأى ما فيها ، مما وصف اللّه في كتابه من صفة الجنات ، وعاين درجاتها وغرفها ، وما أعد اللّه لأهلها فيها ، ورأى جنته المخصوصة به ، واطلع على جنات الميراث وجنات الاختصاص وجنات الأعمال ، وذاق من كل نعيم منها ، بحسب ما يعطيه ذوق موطن القوة الجنانية ، فلما بلغ من ذلك أمنيته ، رقي به إلى المستوى الأزهى ، والستر الأبهى ، فرأى صور آدم وبنيه السعداء من خلف تلك الستور ، فعلم معناها وما أودع اللّه من الحكمة فيها ، وما عليها من الخلع التي كساها بني آدم ، فسلمت عليه تلك الصور ، فرأى صورته فيهن ، فعانقها وعانقته ، واندفعت معه إلى المكانة الزلفى ، فدخل فلك البروج الذي قال اللّه فيه فأقسم به وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ فعلم أن التكوينات التي تكون في الجنان من حركة هذا الفلك ، وله الحركة اليومية في العالم الزماني ، والتكوينات التي تكون في جهنم من حركة فلك الكواكب ، وهو سقف جهنم أعني مقعره ، وسطحه أرض الجنة ، فالوجود كل متحرك على الدوام دنيا وآخرة ، لأن التكوين لا يكون عن سكون ، فمن اللّه توجهات دائمة ، وكلمات لا تنفذ ، ليكون خلاقا على الدوام ، والكون فقيرا على الدوام ، فيعلم التابع من هذه الحضرة التكوينات الجنانية وجميع ما ذكرناه ، وأما صاحب النظر رفيق التابع ، فما عنده خبر بشيء من هذا كله ، لأنه تنبيه نبوي لا نظر فكري ، وصاحب النظر مقيد تحت سلطان فكره ، وليس للفكر مجال إلا في ميدانه الخاص به وهو معلوم بين الميادين ، فإن لكل قوة في الإنسان ميدان يجول فيه لا يتعداه ، ومهما تعدت ميدانها وقعت في الغلط والخطأ ، ووصفت بالتحريف عن طريقها المستقيم ، فالعقول الموصوفة بالضلال إنما أضلتها أفكارها ، وإنما ضلت أفكارها لتصرفها في غير موطنها ، ثم يخرج بالتابع مع حامله إلى الكرسي فيرى فيه انقسام الكلمة ، التي وصفت قبل وصولها إلى هذا المقام بالوحدة ، ويرى القدمين اللتين تدلتا إليه ، فينكب من ساعته إلى تقبيلهما ، القدم الواحدة تعطي ثبوت أهل الجنات في جناتهم ، وهي قدم الصدق ، والقدم الأخرى تعطي ثبوت أهل جهنم في جهنم على أي حالة أراد ، وهي قدم الجبروت ، فيعرف التابع من هذا المقام ما لكل دار ، ثم إنه يفارق هذا الموضع ويزج به في النور الأعظم ، فيغلبه الوجد ، وهذا النور هو حضرة الأحوال ، الظاهر حكمها في الأشخاص الإنسانية ، ثم يخرج من ذلك النور إلى موضع الرحمة العامة