محمود محمود الغراب
67
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
لا أخذ نطق ، إلا إن تجسد له في خياله أمر يخاطبه ، أما عقول أهل الإيمان باللّه ، فقد رأت أن اللّه قد طلب منها أن تعرفه ، بعد أن عرفته بأدلتها النظرية ، وعلمت أن ثمّ علما آخر باللّه ، لا تصل إليه من طريق الفكر ، فاستعملت الرياضات والخلوات . والمجاهدات ، وقطع العلائق والانفراد . والجلوس مع اللّه ، بتفريغ المحل وتقديس القلب عن شوائب الأفكار ، إذ كان متعلق الأفكار الأكوان ، واتخذت هذه الطريقة من الأنبياء والرسل ، وعلمت أن الطريق إليه من جهته أقرب إليه من طريق فكرها ، فتوجه الطالب إلى اللّه بكله ، وانقطع من كل ما يأخذ عنه من القوى ، فعند هذا التوجه ، أفاض اللّه عليه من نوره علما إلهيا ، عرفه بأن اللّه تعالى من طريق المشاهدة والتجلي ، لا يقبله كون ولا يردّه ، فإن صاحب الطريقة الشرعية يقلد الشارع فيما أخبر به ، من أنه ما ثمّ إله بينه وبين العالم مناسبة ، وأنه تعالى ليس كمثله شيء ، ولا يشبه شيئا من العالم أعلاه وأسفله ، ومع هذا كله ، فله عين وأعين ويد ويدان ووجه وكلام ، ونزول واستواء وفرح ، ومعية مع عباده بالصحبة ، وقرب وبعد ، وإجابة لمن دعاه ورحمة ، وأن العالم كله عبيد له ، خلقهم وفضل بعضهم على بعض ، وأن له غضبا ، وأن له خلفاء في الأرض من هذا النوع الإنساني ، فعند ما سمع ذلك ، وعلم أن ثمة خليفة من نوعه ، تشوف إلى تلك المرتبة أن ينالها ، ورأى الطريق التي شرعها شارع وقته وخاطبه بها ، ورأى جميع ما كان يفعله صاحب تلك النفس التي فكرت بنظرها ، قد حرّضها هذا الشارع عليه وحمده وقال به ، فأخذ به هذا المؤمن من حيث أن الشارع جاء به ، وعلق الهمة بربه الذي أوجده ، لما أعلمه الشارع أنه المنتهى ، فقال له وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى « وليس وراء اللّه مرمى » فجعله موضع غايته ، وسلك سلوك المفكر الباحث صاحب النظر العقلي ، لكن بالطريق الشرعي ، فصفت نفسه وصقلت مرآته ، وانتقش فيها صور العالم كله الروحاني ، وإلى حد الطبيعة التي دون النفس يصل أهل الفكر ، وما ينتقش فيهم مما فوقها إلا من يكون سلوكه على الطريق المشروع ، فإذا وصل هذا السالك على طريق الشرع ، انتقش فيه ما في اللوح المحفوظ ، فيرى مرتبة الشرائع ، ويرى نفسه وحظه ونصيبه وغايته من العالم ، فيعمل بحسب ما يراه ، فيرتفع بالطلب إلى الوجه الخاص به ، فيأخذ عن الحق أخذ إلهام ، وأخذ تجل ، وأخذ تنزيه ، وأخذ تشبيه ، ويعاين سريان الوجود في الممكنات ،