محمود محمود الغراب
66
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
على حاله في صورته ما تغير ، وترى انفعال الجسم في بعض الأوقات لما يطرأ للنائم في حال نومه ، مثل دفق الماء في الاحتلام عند رؤية الجماع في النوم ، فعلمت بهذا كله أن وراء هذا الجسم أمرا آخر ، بينه وبين هذه الصورة علاقة ، ثم إنها رأت تفاوت الأمثال في العلوم والفهم ، وافتقار بعضها إلى التعليم ، ونظرت إلى حال من زهد وفكر واتخذ الخلوات ، ولم يأخذ من لذات المحسوسات إلا ما تمس إليه الحاجات ، مما به قوام هذا الجسم ، وأن صاحب هذا الحال يزيد على نفس أخرى ، بعلوم وفضائل يفتقر إليه فيها وفي العلم بها ، فنظرت في الطريق الذي أوصل تلك النفوس دون غيرها إلى هذا المقام ، فلم تر مانعا إلا انكباب بعض النفوس على تناول هذه المشتهيات - الظاهرة الطبيعية - والتنافس فيها ، فزهدت في ذلك كله ، وتحلت بمكارم الأخلاق ، ولم تترك لأحد عليها مطالبة ولا علاقة ، ولم تزاحمهم على ما هم عليه ، وجنحت إلى الخلوات ، ورفعت الهمة إلى الاستشراف ، لتعلم ما هو الأمر عليه ، فلما كانت بهذه المثابة ، وكل ذلك نظر منها ، ما هو عن تقليد شرعي إلهي ، وإنما هو عن فكرة صحيحة ، وإلهام إلهي ناقص غير كامل ، لأن الإلهام الكامل أن يلهم لاتباع الشرع والنظر في كلامه ، وفي الكتب التي قيل لنا إنها جاءت من عند اللّه ، فمثل هذا هو الإلهام الأكمل ، فلما صفت هذه النفوس وشفت ، وصارت مثل المرآة ، وزال عنها صدأ هذه الطبيعة ، انتقش فيها صور العالم ، فرأت ما لم تكن رأته ، فنطقت بالغيوب ، والتحقت بالملأ الأعلى التحاق غريب ، ورد على غير موطنه وهو موطنه ، ولكن ما عرفه لغربته ، لما سافر إلى أرض طبيعته وبدنه ، فلم يكن له ذلك الإدلال ، ولا كمال الأنس بذلك العالم ، ورأى اشتغال ذلك العالم عنه بالتسبيح والتقديس ، وما سخّروا فيه من الأعمال في حق هذه المولدات العنصرية ، فرأت هذه النفس المرتاضة ، ما يختص منهم بتحريك الأفلاك وتسيير كواكبها ، وما يحدث في الأركان منها ، وعلمت ما لم تكن تعلم ، وأخذت عن الأرواح الملكية علوما لم تكن عندها ، وما علمت أن ثمّ طريقا تصل منه - إذا سلكت عليه - إلى الأخذ عن اللّه منشىء الكل ، وأن بينه وبينها بابا خاصا يخصها ، فقالت : هذا هو الغاية ، وما ثمّ إلا هؤلاء ، ونظرت إلى تفوقها بذلك على غيرها من أمثال فقنعت ، فكل ما يأتي به من هذا نعته وحاله ، ليس له ذوق إلهي البتة ، ولا يأخذ أبدا إلا عن الأرواح والعقول الملكية ، أخذ حال