محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 29
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
ثم رددت من ذلك المشهد النومي العلي ، إلى العالم السفلي ، فجعلت ذلك الحمد المقدس خطبة الكتاب « 1 » . ( ف ح 1 / 2 ) الحمد للّه : أرسل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عثمان رضي اللّه عنه إليّ آمرا بالكلام في المنام ، بعد ما وقعت شفاعتي على جماعتي ، ونجا الكل من أسر الهلاك ، وقرب المنبر الأسنى ، وصعدت عليه عن الإذن العالي المحمدي الأسمى ، بالاقتصار على لفظة « الحمد للّه » خاصة ، ونزل التأييد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن يمين المنبر قاعد ، فقال العبد بعد ما أنشد وحمد وأثنى ويسمل : حقيقة « الحمد » هي العبد المقدس المنزه ، « للّه » إشارة إلى الذات الأزلية ، وهو مقام انفصال وجود العبد من وجود الإله ، ثم غيّبه عن وجوده بوجوده الأزلي وأوصله به ، فقال « للّه » فاللام الداخلة على قوله « اللّه » الخافضة له ، هي حقيقة المألوه في باب التواضع والذلة ، وهي من حروف المعاني لا من حرف الهجاء ، ثم قدمها سبحانه على اسم نفسه تشريفا له ، وتهمما وتنزيها لمعرفتها بنفسها ، وتصديقا لتقديم النبي صلى اللّه عليه وسلم إياها في قوله : « من عرف نفسه عرف ربه » ، فقدم معرفة النفس على معرفة الرب ، ثم عملت في الاسم « اللّه » لتحقيق الاتصال وتمكينها من المقام ، ولما كانت في مقام الوصلة ، ربما توهم أن الحمد غير اللام ، فخفض العبد اتباعا لحركة اللام فقرىء « الحمد للّه » بخفض الدال ، فكان لفظة « الحمد » بدلا من اللام ، بدل شيء من شيء ، وهما لعين واحدة ، فالحمد هو وجود اللام ، واللام هي الحمد ، فإذا كانا شيئا واحدا ، كان الحمد في مقام الوصلة مع اللّه ، لأنه عين اللام ، فكان معنى ، كما كانت اللام لفظا ومعنى ، ثم حقيقة الخفض فيها إثبات العبودية ، ثم أحيانا يفنيها عن نفسها فناء كليا ، ليرفعها إلى المقام الأعلى في الأولية ، ثم يبقي حقيقتها في الآخرية فيقول « الحمد للّه » برفع اللام ، اتباعا لحركة الدال ، وهذا مما يؤيد أن الحمد اللام ، وهو المعبر عنه بالرداء والثوب « 2 » إذ كان هو محل الصفات وافتراق الجمع ، فغاية معرفة العباد أن تصل إليه إن وصلت ، والحق وراء ذلك كله ، أو قل ومع ذلك كله ، فلما رفعها بالفناء عنها ابتداء ،
--> ( 1 ) يعني الفتوحات المكية . ( 2 ) راجع كتابنا « الإنسان الكامل » الإنسان الكامل هو الرداء .