محمود محمود الغراب
144
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
ناصرين ، وذلك في الوقت الذي يكون السعداء فيه في الجنة بهذه الحالة ، يكون الأشقياء في جهنم بهذه الحالة ، ومنزلهم جهنم خاصة ، فإن غاية القرب الكثيب ، وغاية البعد جهنم . واعلم أن للسعداء في كل مرتبة درجات ، وللأشقياء دركات ، فلأهل المنابر ثلاثة آلاف ومائتان وإحدى وعشرون ، ولأهل الأسرة ثلاثة آلاف وتسعة وتسعون ، ولأهل الكراسي ألفان وسبعمائة وثمانية ، ولأهل المراتب أربعة آلاف ومائة وسبعة وأربعون . واعلم أنه إذا تميز فريق في الجنة دار الثواب والنعمة ، وفريق في السعير دار العذاب والنقمة ، أذن الرحمن لأئمة السعداء أن يقوموا خطباء في أتباعهم ، وأذن الجبار لأئمة الشقاء أن يقوموا خطباء في أشياعهم . أهل المنابر : خطيب السعداء : صعد الخليفة الناطق منبره ، وقام بين يديه خدماؤه الكرام البررة ، وقال : الحمد للّه من غير تقييد بنعت ، كما قيده سادات أهل الوقت ، المقدس الحميد ، ذي العرش المجيد ، الذي تردى برداء الكبرياء والعز ، وأودع معرفته في القصور والعجز ، جاعل الملائكة رسلا ، ومعرف العقول إليه سبلا ، نصب المنابر وأقعد عليها أرساله ، وأشهدهم جماله وجلاله ، وأنطقهم بأوضح ما تكلم به أو قاله ، تعالى في ذاته عن إدراك المدركين ، وتسامى في قدسه أن تحيط به غايات السالكين ، حارت الأسرار في مشاهدة عظمته ، وعبدت الظلم أنوار كلمته ، واحتجب بسبحات عزة وحدانيته في أزليته وأبديته ، نزل في علوه ، وعلا في نزوله « 1 » ، وفصّل في إجماله ، وأجمل في تفصيله ، اصطفاكم أيها الحاضرون بالنعمة والرؤية ، وأوصلكم إلى منازل القربة والبغية ، وأحلّكم الجوار الأحمى ، وحمى سلطانه بغير المغمى « 2 » ، فانعموا بالمعارف الصمدية ، وجولوا في ميادين الحقائق المحمدية ، وامتطوا متون العتاق الدرية ، وانفسحوا في فسحات التوحيد ، وترأسوا بخصائص المشاهدة على كل موجود ،
--> ( 1 ) يشير هنا إلى نزول الحق في وصف نفسه بما وصف به خلقه ، من جوع وعطش ومرض وضحك وتبشيش . ( 2 ) ألا إن حمى اللّه محارمه ، فالمغمى هنا يريد به الحدود والحرام ، وهو واضح جلي .