محمود محمود الغراب
139
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
حبيسا ، وصرت في العالم العلوي رئيسا ؟ فتنفس أبو رزين الصعدا ، وقال : واشوقاه إلى أعلام الهدى ، وعظم هيجانه واشتد ، ورق أنينه وأنشد ، يقول : قل لبيت الحبيب رفقا قليلا * بقليب أمسى عليلا ذليلا لست أنسى بلابلا بفؤادي * يوم نودي بنا رحيلا رحيلا ليت أني يوم النوى والتداني * لوداع أبقى لديه قتيلا لست أنسى ببطن مكة يوما * قوله لي : باللّه صبرا جميلا إن بي مثل ما بكم فلتكن بي * طيّب النفس للسرور وصولا لم أزل حين بنت عنهم وقاموا * اشتكي الوجد والجوى والغليلا وأنادي في كل فج فؤادي * وأقاسي منه عذابا وبيلا فرقّ له المولى ، وقال النزول إلى الكعبة بهذا المسكين الواله أولى ، فقلت : يا أبت إذا مشينا بأخينا هذا أبدا إلى مغناه ، متى يلتذ السر بمعناه ؟ فقال : يا بني إذا سريت بفكرك في عالم المعاني ، انحجب حسك عن الالتذاذ بالمغاني ، فإذا سرى حسك في عالم المغنى ، لم ينحجب سرك عن مشاهدة المعنى ، فالبقاء مع الحس أولى ، في الآخرة والأولى ، وسيبدو لك شرفه عند الرؤية ، في جنة المنية ، فقلت : يا أبت فما تراني صانعا ؟ قال : انزل به الآن إلى البيت بعمرة قبل أن يبدو الفجر طالعا ، فنزلت بهمة مهمة ، فوقعت في بيداء مدلهمة ، ليس فيها نبات سوى السمرات ، ولا سكان إلا الأفاعي والحيات ، وقد درست طرقها ، فتاه طارقها ، عديمة الأنس ، لم يسكنها جن ولا إنس ، وحشية الطبع ، كريهة الوضع ، فقطعتها بجهد وعناء ، ومقاسات وبلاء ، إلى أن أشرفت على الأعلام ، فلبيت بعمرة يا ذا الجلال والإكرام ، فلما عاينت البيت هاج القلق ، وعظم الحرق ، وبادرت إلى الحجر الأسود فقبلته ، وشرعت في الطواف وأكملته ، واستجرت بالمستجار ، والتزمت الملتزم ، ثم ركعت في المقام ، وشربت من ماء زمزم ، ثم سعيت وأحللت ، ثم نهضت إلى السماء ورحلت ، فلما رآني الخليل ، قال : مرحبا بالابن الجليل ، هذا الفجر قد بدت دلائله ، وطلعت منازله ، وبدت أعلام الفتح ، من أجل صلاة الصبح ، فتوضأ يا بني من السلسبيل ، فإنه موقوف على أبناء السبيل ، فغسلت يديّ ولم يكن بها أذى ، فقال أمين النهر : من ذا ، ثم تمضمضت