محمود محمود الغراب
136
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
فافتتحنا به فردّ علينا * مثله واكتفى وكان المزيد وتدانى فكان مني كأني * ثم ولّى فقلت أين تريد قال نمضي فإن قومك جاؤوا * ومقامي مع الكيان شديد قم فحيّهم فقلت سلاما * وبقلبي من الفراق وقود ما ألذ الخلو باللّه ليلا * لو يصح المقصود صح الوجود فاستمع رمز ما أغار عليه * يا حبيبي ، وإنني لكنود يشبه العسجد الكريم وجودي * وهو شخص الوجود منه الورود لو أرى عالما به لا بذاتي * لتوالى عليّ منه الشهود فأنا عالم به وبذاتي * فوصال وقتا ووقتا صدود فلما كبرنا كبّرنا ، فلما قرأنا أنبئنا ، فلما ركعنا رفعنا ، فلما رفعنا وضعنا ، فلما سجدنا شهدنا ، فلما جلسنا يئسنا ، فلما سلمنا حكمنا ، فلما فرغت الصلاة ، وأجيبت الدعوات ، قمت إلى منبر من الياقوت الأكهب « 1 » ، بخطبة ذهبت فيها أحسن مذهب ، وقلت : الحمد للّه الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى ، وبدأ خلق الإنسان من طين ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه المكين ، فلما أقامه في أحسن تقويم رده إلى أسفل سافلين ، فلما أناطه بالمركز ، ليقيم به دولة العز ، أعطاه سر التدبير والتفصيل ، ووهبه في كل ما علمه قوة التحصيل ، فما بقي روح مجرد إلا سجد ، ولا ريح معبد إلا شهد ، ولو تكبر وجحد ، ولا صامت إلا تكلم ، ولا ميت إلا حيّي وسلّم ، فإنه النور الأعلى ، والقطعة المثلى ، ولولا ما هو من ذلك المقام ، ما انقادت لسلطانه الروحانيات الجسام ، فشقت هذه السدفة الترابية أنواره ، وتخللت مسالكها أسراره ، ونفذت إلى حضرة توحيد موجدها ، وعاينت كريم مشهدها ، من غير أن تؤثر فيها هذه الظلمة ، لما هي عليه من نفوذ الهمة ، فأقرت الأرواح المجردة بعلو منصبها ، واعترفت بسمو مذهبها ، وأن لها أرفع المناصب « 2 » ، وأشرف المناسب ، ثم اختصت دونها بالمكاسب ، فعظمت لديها المواهب ، فكم روح مجرد تكلم فيها بما لا يعلم « 3 » ، قبل أن يعلم منها ما علم ،
--> ( 1 ) الأكهب الأغبر المشرب بسواد . ( 2 ) هو قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً . ( 3 ) يعني قول الملائكة أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ .