محمود محمود الغراب
135
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
السماء الثالثة : ثم نزلنا من سماء النظام ، إلى سماء التصور التام ، بحسن الانتظام ، لنأخذ ورثنا من يوسف عليه السلام ، فوجدناه على سرير قدسه ، فاستنزلنا روحانية نفسه ، فنزل في حسنه البديع ، موافقا حركة زمان الربيع ، فأبصرنا وجها كأنه بدر التم ، أو الشمس انجلى عنها الغيم ، فتصدعت القلوب ، وتيمت النفوس ، وهيمت الأرواح ، وتقيدت العقول ، وتوقفت الحواس ، وانكسف البال ، وتغيّر الحال ، وبلبل بلبل الوجد بين الجوانح ، وتقصفت الأعضاء وخدرت الجوارح ، ودعا داعي الأشواق ، وقام بالقلب الاصطلام والاحتراق ، وتمكن الأرق ، واشتد القلق ، واستوى سلطان الذبول بجيش النحول ، وسالت سماء الدموع ، على أرض الخضوع ، فقلنا له : هذا فعلك على النصف « 1 » ، فكيف لو اجتمع الموصوف والوصف ، وبين يديه صورة ينشئها ، وبنية يهيئها ، قد زينها أحسن تزيين ، وأسرى في مسالكها أحوال التلوين ، وأرسلها في الكون ، محبوبة إلى كل عين ، تسحر الناظر ، وتقيد الخاطر ، وتعطي اللذة قبل النيل ، وتحير السمع في ترجيع القول ، إن غنّت عنّت ، وإن نظرت سحرت ، وإن لمست آنست ، وإن ملكت فتكت ، وإن لعبت أتعبت ، وإن لهت ولّهت ، وإن أعرفت أرعفت ، على رأسها تاج من الغمام ، وعلى جبينها إكليل من الدر التمام ، وفي إصبعها خاتم الحمام « 2 » ، إن هجرت أقبرت ، وإن وصلت أقبلت ، إلا أن لها سياسة مدنية ، ورياسة إنسانية ، تتواضع فتهتك السرائر ، وتترافع فتتعب البصائر ، الهيبة منوطة بذاتها ، والجلال من جملة صفاتها ، فبينا أنا أنظر في جمالها ، وأهيم بين دلها ودلالها ، إذ أقيمت صلاة المغرب ، فقالت : قم لمشاهدة الأمر المغرب ، فقمت وقد رويت أبياتا من الشعر ، في أنزه ما يكون في المغرب من الأمر ، في غيابات السر ، وهي : أفلت شمسنا بمغرب ذاتي * فدعاني إلى الصلاة الشهيد فتوضأت ثم جئت إليه * من قريب وإنه لبعيد قلت ربي فقال لبيك عبدي * أين حمدي ؟ فقلت أنت الحميد
--> ( 1 ) النصف هو أن يوسف عليه السلام حاز شطر الحسن . ( 2 ) الحمام : قضاء الموت وقدره .