محمود محمود الغراب
131
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
عند الرؤوف الرحيم ، جعلنا اللّه وإياكم ممن رحم الصغير ، وعرف شرف الكبير ، فنال المقام الخطير . السماء السادسة : ثم رحلنا نبتغي سماء الكلام ، لنقف على ورثتنا من موسى عليه السلام ، فلما دخلنا عليه ، وحضرنا بين يديه ، سلمنا وخدمنا ، فأكرمنا واحترمنا ، وجمع لنا بين إقبال الأبوة والأخوة ، إثباتا لشرف مقام النبي سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ووفاء بمقام النبوة ، فقلنا له : هات حظنا منك ، لنخبر به عنك ، وأوقفنا على ما لديك ، وما صرف الرحمن فيك من النظر إليك ، فشال الحجاب ، وانفتح الباب ، من خلفه جنتان ذواتا أفنان ، فيهما عينان تجريان ، فيهما من كل فاكهة زوجان ، فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، وكأنهن الياقوت والمرجان ، فقال : هذا لمن حرم في دنياه الأمان ؛ ثم شال عن يساره الحجاب ، فانفتح الباب ، من خلفه جنتان ، مدهامتان ، فيهما عينان نضاختان ، فيهما فاكهة ونخل ورمان ، فيهن خيرات حسان ، حور مقصورات في الخيام لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ، فقال : هذا لمن عاش بالأمان . وبقيت الأعيان تطلب العيان بالعيان ، فشاهدنا ما أمرنا اللّه به في السورة التي يذكر فيها الرحمن ، علم القرآن ، خلق الإنسان ، علمه البيان ، غير أن جنى الجنتين ليس بدان ، فلما قصرت أيدينا عن تناول شيء منها ، سألته ما السبب الذي قصر بنا عنها ؟ فقال : يا ولي تناولها موقوف على التركيب الثاني ، إن قمت بتعظيم معرفة المثاني ، وأنت في التركيب الأول ، فاصبر حتى تتحول ، فإذا سترت روحانيتك جسمك « 1 » ، ووسمت وسمك ، وعرفت سعادتك وإعادتك واسمك ، وصرت في الصور الحوّل القلّب ، تذهب فيها كل مذهب ، حينئذ تتناول ما بسق من أشجارها ، وتستنشق ما شئت من روائح أزهارها ، وتقف على سر حجرها وأحجارها ، فهنالك يبدو لك شرف الاعتدال ، وصورة التمام والكمال ، وسر الثوب الذي مال ، وروح الضياء والظلال ، والتحاق النساء بالرجال ، وشفوفهن عليهم في جنات
--> ( 1 ) فإن نشأة الآخرة على عكس نشأة الدنيا ، فيها تسيطر الروح على الجسم في التحول في الصور ، وفي الدنيا الحس له السيطرة على الصور في الأجسام بالثبات .