محمود محمود الغراب

110

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر

والتوجهات الأفقيات ، أظهر عالم الأنوار على عالم الأسرار ، ووقعت النجوم ، وكثرت التنزلات من الحي القيوم ، وكورت الشمس ، وطمس الحس ، وسيرت الجبال ، ونسفت الرمال ، وعطلت العشار الظاهرة ، وحشرت الوحوش المتنافرة ، ووقع الطوفان ، وزفر البركان ، وزوجت النفوس ، وتعشق بالمحسوس ، ونشرت الصحائف ، وتبينت المعارف ، وظهرت اللطائف ، وأتي بجميع الظرائف ، واتصل حبل التلاق ، وكثر بين المحبين اللثم والعناق ، وثلّ عرش الفراق ، ونثرت الكيان نجوم أسرارها ، وأطلعت البرازخ لوامع أنوارها ، وخلّي البرزخ من سكانه ، وتعشق التاجر بدكانه ، وضجر أهل السلوك ، وتنعم سمراء الملوك ، ونبت الريحان في النيران ، وظهرت يواقيت اللهب في العيان ، وعمرت المعادن كلها بروح التكوين ، وجاء الرب في ظلل من الغمام ، والملائكة في لحف الظلام ، وكثرت مناجاة الوعد والوعيد ، وتقصفت جوانح المحبين ، وذابت أبدان العارفين ، وسكنت النفوس بألّافها ومألوفاتها ، وحنت لعرّافها ومعروفاتها . فهذا بعض ما عاينت في الكون ، من تأثير هذا النمط الرابع من هذا الدور ، وقطعته في قدر المدة التي قطعت فيها النمط الذي قبله . فلما وقفت على هذه المعارف ، وحصلت فنون هذه الأسرار واللطائف ، رددت إلى السيد الإمام إدريس ، صاحب التأسيس ، فقال لي : إياك والنسيان ، فإنه سبب الحرمان ، ثم قال لي : اركب جوادك ، واشحذ فؤادك ، وسر إلى حضرة أبيك ، وحافظ على ما يحصل لك في تجليك ، واعرف أسرار التوحيد ، وهناك يتبين لك الفرق بين المراد والمريد ، جعلنا اللّه وإياكم ممن عرف نفسه ، وشاهد شمسه ، بمنه وكرمه ، لا رب غيره . السماء الأولى : فلما دعتنا دواعي الاشتياق ، إلى الكشف على ما أودع اللّه من الأسرار في هذه الطباق ، رحلنا نريد حضرة الميثاق ، وهي حضرة أبي الآباء ، وعنصر أجسام الأولياء والأعداء ، أول بوطيقى تكوّن إكسيرها ، وصار فضة بيضاء قزديرها ، الجامعة للقبضتين ، والحاكمة للحكمتين ، واندفعنا في قلب الأفلاك ، وقد حفت بركابنا أقاويل الأملاك ، فما بقيت حقيقة مررنا بها في طريقنا ، إلا تجلت بأحسن زي ، وقامت وخدمت ، ولا روحانية إلا