محمود محمود الغراب

8

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

لذلك عملت على جمع هذا الكتاب من كلام الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي ، في المحبة عموما والمحبة الإلهية خصوصا ، وأرجو اللّه تعالى أن يكون فيه بيان للناس وهدى لمن أراد أن يصدق مع نفسه ، وهو ميزان عام في الحب أيا كان تعلقه ، ولم أجد ما أقدم به لهذا الكتاب أجمل ولا أكمل من كلام محب صادق ، فتح اللّه عليه بالعبارة ، وجعل البيان طوع بنانه ، ألا وهو الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي الذي يقول : الحمد للّه الذي جعل الهوى حرما تحج إليه قلوب الأدبا ، وكعبة تطوف بها أسرار ألباب الظرفا ، وجعل الفراق أمرّ كأس تذاق ، وجعل التلاق عذب الجنى طيب المذاق ، تجلى اسمه الجميل سبحانه فألهى الألباب ، فلما غرقت في بحر حبه أغلق دونها الباب ، وأمر أجناد الهوى ، أن يضربوها بسيوف النوى ، فلما طاشت العقول وقيدها الثقيل ، ودعاها داعي الاشتياق ، وحركتها دواعي الأشواق ، رامت الخروج إليه عشقا ، فلم تستطع ، فذابت في أماكنها الضيقة ومسالكها الوعرة وجدا وشوقا ، واشتد أنينها ، وطال حزنها وحنينها ، ولم يبق إلا النفس الخافت ، والإنسان الباهت ، ورثى لها العدو والشامت ، فأذابها الأرق ، وأتلفها القلق ، وأنضجتها لواعج الحرق ، وفتك فيها الفراق بحسامه ، وجرعها مضاضة كأس مدامه ، واستولى عليها سلطان البين ، فمحق الأثر والعين ، ونزلت بفنائها عساكر الأسف ، وجردت عليها سيوف التلف ، وأيقنت بالهلاك ، وعاينت مصارع الهلّاك ، وما خافت ألم الموت ، وإنما خافت حسرة الفوت ، فنادت يا جميل يا محسان ، يا من قال : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ، يا من تيّمني بحبه ، وهيّمني بين بعده وقربه ، تجليت فأبليت ، وعشقت فأرّقت ، وأعرضت فأمرضت ، فياليتك مرّضت ، وأفرطت فقنّطت ، وأسست فأسست « 1 » ، وأيّست فأيأست ، وقربت فدنوت ، وبعدت فأبعدت ، وأجلست فآنست ، وأسمعت فأطمعت ، وكلمت فأكلمت ،

--> ( 1 ) هكذا في الأصل .