محمود محمود الغراب
75
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
لم يتمكن أن نتوقف عن الوجود ، فكنا صورا في جوهر العماء ، فأعطينا بظهورنا في العماء الوجود للعماء ، بعد ما كان معقوليّ الوجود حصل له الوجود العيني ، فهذا كان سبب بدء حبنا إياه . وأما غاية حبنا إياه ، فأن نعلم حقيقة ما حبنا ؟ هل هو صفة نفسية للمحب أو معنوية فيه ؟ أو نسبة بين المحب والمحبوب ؟ وهي العلاقة التي تجذب المحب لطلب الوصلة بالمحبوب ؛ فقلنا : هي صفة نفسية للمحب ، فإن قيل : نراها تزول ، قلنا : من المحال زوالها إلا بزوال المحب من الوجود ، والمحب لا يزول من الوجود ، فالمحبة لا تزول ، وإنما الذي يعقل زواله ، إنما هو تعلقه بمحبوب خاص ، يمكن أن يزول ذلك التعلق الخاص ، وتزول تلك العلاقة بذاك المحبوب المعين ، وتتعلق بمحبوب آخر ، وهي متعلقة بمحبوبين كثيرين ، فتنقطع العلاقة بين المحب ومحبوب خاص ، وهي موجودة في نفسها ، فإنها عين المحب ، فمن المحال زوالها ، فالحب هو نفس المحب وعينه ، لا صفة معنى فيه يمكن أن ترتفع فيرتفع حكمها ، فالعلاقة هي النسبة بين المحب والمحبوب ، والحب هو عين المحب لا غيره ، فصف بالحب من شئت من حادث وغيره ، فليس الحب سوى عين المحب ، فما في الوجود إلا محب ومحبوب ، لكن من شأن المحبوب أن يكون معدوما ولا بد ، فيحب إيجاد ذلك المعدوم أو وقوعه في موجود ولا بد ، لا في معدوم ، هذا أمر محقق لا بد منه ، فالعلاقة التي في المحب إنما هي في ذلك الموجود الذي يقبل وجود ذلك المحبوب أو وقوعه ، لا وجوده إذا كان المحبوب لا يمكن أن يتصف بالوجود ، ولكن يتصف بالوقوع ، مثال ذلك : أن يحب الإنسان إعدام أمر موجود ، لما في وجوده من الضرر في حقه كالألم ، فإنه أمر وجودي في المتألم ، فيحب إعدامه ، فمحبوبه الإعدام وهو غير واقع ، فإذا زال الألم ، فإزالته عدمه بعد وجوده بانتقاله إلى العدم ، فلهذا قلنا في مثل هذا بالوقوع لا بالوجود ، فالمحبوب معدوم أبدا ، ولا تصح محبة الموجود جملة واحدة إلا من حيث العلاقة ، إذ لا تتعلق إلا بموجود يظهر فيه وجود ذلك المحبوب المعدوم . ( ف ح 2 / 329 ) واعلم أن الحب الإلهي من اسمه الجميل والنور ، فيتقدم النور إلى أعين الممكنات ، فينفّر عنها ظلمة نظرها إلى نفسها وإمكانها ، فيحدث لها بصرا هو بصره ، إذ لا يرى إلا به ، فيتجلى لتلك العين بالاسم الجميل فتتعشق به ، فيصير عين ذلك الممكن مظهرا له ، فيبطن