محمود محمود الغراب
76
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
العين من الممكن فيه وتفنى عن نفسها ، فلا تعرف أنها محبة له سبحانه ، أو تفنى عنه بنفسها مع كونها على هذه الحالة ، فلا تعرف أنها مظهر له سبحانه ، وتجد من نفسها أنها تحب نفسها ، فإن كل شيء مجبول على حب نفسه ، وما ثمّ ظاهر إلا هو في عين الممكن ، فما أحب اللّه إلا اللّه ، والعبد لا يتصف بالحب إذ لا حكم له فيه ، فإنه ما أحبه منه سواه الظاهر فيه ، وهو الظاهر ، فلا تعرف أيضا أنها محبة له ، فتطلبه وتحب أن تحبه ، من حيث أنها ناظرة إلى نفسها بعينه ، فنفس حبها أن تحبه ، هو بعينه حبها له ، ولهذا يوصف هذا النور بأن له أشعة أي أنه شعشعاني ، لامتداده من الحق إلى عين الممكن ، ليكون مظهرا له - بنصب الهاء لا اسم فاعل - فإذا جمع من هذه صفته بين المتضادات في وصفه ، فذلك هو صاحب الحب الإلهي ، فإنه يؤدي إلى إلحاقه بالعدم عند نفسه كما هو في نفس الأمر « 1 » ، فعلامة الحب الإلهي حب جميع الكائنات في كل حضرة ، معنوية أو حسية أو خيالية أو متخيلة ، ولكل حضرة عين من اسمه النور تنظر بها إلى اسمه الجميل ، فيكسوها ذلك النور حلة وجود ، فكل محب ما أحب سوى نفسه ، ولهذا وصف الحق نفسه بأنه يحب المظاهر ، والمظاهر عدم في عين ، وتعلق المحبة بما ظهر وهو الظاهر فيها ، فتلك النسبة بين الظاهر والمظاهر هي الحب ، ومتعلق الحب إنما هو العدم ، فمتعلقها هنا الدوام ، والدوام ما وقع فإنه لا نهاية له ، وما لا نهاية له لا يتصف بالوقوع . ( ف ح 2 / 112 ) تحقيق : لماذا يبتلي اللّه أحبابه ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » . إن قلت المحبوب لا يكون معذّبا بشيء ، فلا بد أن يحول المحب بين ما يؤلم محبوبه وبين محبوبه ، وإن لم يفعل ذلك فليس بمحب ولا ذلك محبوبا ، واللّه أحب أولياءه ، والمحب لا يؤلم محبوبه ، وليس أحد بأشد ألما في الدنيا ولا بلاء من أولياء اللّه ، رسلهم وأنبيائهم وأتباعهم المحفوظين المعانين على اتباعهم ، فمن أي حقيقة استحقوا هذا البلاء مع كونهم محبوبين ؟ قلنا : إن البلاء لا يكون أبدا إلا مع الدعوى ، فمن لم يدع أمرا لا يبتلى بإقامة الدليل على صدق دعواه ، فلو لا الدعوى ما وقع البلاء ، فلما أحب اللّه من أحب من عباده ،
--> ( 1 ) يريد قوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ، وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أصدق ما قالت العرب قول لبيد - ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل - » والباطل هو العدم .