محمود محمود الغراب

37

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

الحسنة في عالم التمثيل ، والشهوة إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به ، واللذة لذتان : روحانية وطبيعية ، والنفس الجزئية متولدة من الطبيعة وهي أمها ، والروح الإلهي أبوها ، فالشهوة الروحانية لا تخلص من الطبيعة أصلا ، وبقي من يلتذ به ، فلا يلتذ إلا بالمناسب ، والإنسان فيه مناسب من كل شيء في العالم ، فيضاف كل مناسب إلى مناسبه بأظهر وجوهه ، ولا مناسبة بيننا وبين الحق إلا بالصورة ، والتذاذ الإنسان بكماله أشد الالتذاذ ، فالتذاذه بمن هو على صورته أشد التذاذ ، برهان ذلك أن الإنسان لا يسري في كله الالتذاذ ، ولا يفنى في مشاهدة شيء بكليته ، ولا تسري المحبة والعشق في طبيعة روحانيته ، إلا إذا عشق جارية أو غلاما ، وسبب ذلك أنه يقابله بكليته لأنه على صورته ، وكل شيء في العالم جزء منه ، فلا يقابله إلا بالجزء المناسب ، فلذلك لا يفنى في شيء يعشقه إلا في مثله ، فإذا وقع التجلي الإلهي في عين الصورة التي خلق آدم عليها ، طابق المعنى المعنى ، ووقع الالتذاذ بالكل ، وسرت الشهوة في جميع أجزاء الإنسان ظاهرا ، ألا ترى إلى قيس المجنون في حب ليلى ، كيف أفناه عن نفسه لما ذكرناه ؟ فمن عرف قدر النساء وسرهن لم يزهد في حبهن ، بل من كمال العارف حبهن ، فإنه ميراث نبوي وحب إلهي ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حبب إليّ من دنياكم ثلاث : النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة » فذكر النساء ، أترى حبب إليه ما يبعده عن ربه ؟ ، لا واللّه بل حبب إليه ما يقربه من ربه ، قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ فأبقى عليه رحمة به - لما جعل في قلبه من حب النساء - ملك اليمين ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « حبّب إليّ » فلم ينسب حبه فيهن إلا إلى اللّه تعالى . ( ف ح 4 / 259 - ذخائر الأعلاق - ف ح 2 / 189 - ذخائر الأعلاق - ف ح 2 / 189 ، 190 ) فحنين الرجل إلى المرأة حنين الشيء إلى نفسه ، فإن حواء خلقت واشتقت من آدم ، وحنين المرأة إلى الرجل حنين الشيء إلى وطنه ، فالمرأة خلقت منفعلة عن الرجل ليحن إليها حنين من ظهرت سيادته بها ، فهو يحبها محبة من أعطاه درجة السيادة ، وهي تحن إليه حنين الجزء إلى الكل ، وهو حنين الوطن ، لأنه وطنها ، مع ما يضاف إلى ذلك من كون كل واحد موضعا لشهوته والتذاذه . ( فصوص الحكم / الفص المحمدي - ف ح 1 / 679 )