محمود محمود الغراب

38

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

والحقيقة الإلهية في ذلك ، أن الحق أحب من خلق على صورته ، وأحبه كل مخلوق فإنه صادر عنه ، فحن الرجل إلى ربه - الذي هو أصله - حنين المرأة إليه ، فحبب إليه صلى اللّه عليه وسلم النساء ، كما أحب اللّه من هو على صورته ، فما وقع الحب إلا لمن تكوّن عنه ، وقد كان حبه لمن تكون منه ، وهو الحق . ( فصوص الحكم / الفص المحمدي ) تحقيق : لا يفنى الإنسان في حبه نفسه للقرب المفرط ، الذي ما يكون مثله قرب إليه البتة ، كذلك لا يفنى الإنسان في حب ولده ولا ماله ولا أهله ، لأنه منوط بقلبه بمنزلة نفسه للقرب المفرط ، فإنه يخفى ذلك فيه ، فإن اتفق أن يطلق امرأته ، وقد كان حبه إياها كامنا فيه لا يظهر لإفراط القرب ، أخذه الشوق إليها وهام فيها وحن إليها ، لبعدها عن ذلك القرب المفرط ، لتعلق الشوق والوجد بها ، ولهذا يفنى العاشق في معشوقه الأجنبي ، لأنه ليس له ذلك القرب الظاهر ، الذي يحول بينه وبين الاشتياق إليه ، ولقرب الحق من قلوب العارفين - بالعلم المحقق الذوقي الذي وجدوه - لهذا صحوا ، ولم يهيموا فيه هيمان المحبين للّه من كونه تجلى لهم في جمال مطلق ، وتجليه للعلماء في كمال مطلق ، وأين الكمال من الجمال ؟ فإن الأسماء في حق الكامل تتمانع ، فيؤدي ذلك التمانع إلى عدم تأثيرها فيمن هذه صفته ، فيبقى منزها عن التأثير ، مع الذات المطلقة التي لا تقيدها الأسماء ولا النعوت ، فيكون الكامل في غاية الصحو كالرسل وهم أكمل الطوائف ، لأن الكامل في غاية القرب ، يظهر به في كمال عبوديته ، مشاهدا كمال ذات موجده ، ولهذا قلنا : العارف لا يكون محبا ، والمحب لا يكون عارفا . ( ف ح 2 / 615 ) حب الخيال : لما كان الحب الطبيعي سببه نظرة أو سماع ، فيحدث في خيال الناظر مما رآه - إن كان المحبوب ممن يدرك بالبصر - وفي خيال السامع مما سمع ، فحمله في نشأته ، فصوّره في خياله بالقوة المصورة ، وقد يكون المحبوب ذا صورة طبيعية مطابقة لما تصور في الخيال ، أو دون ذلك أو فوق ذلك ، وقد لا يكون للمحبوب صورة ولا يجوز أن يقبل الصور ، فصوّر هذا المحب من السماع ما لا يمكن أن يتصور ، ولم يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لا يقبل