محمود محمود الغراب

32

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

والجلال والجمال للّه وصف ذاتي في نفسه وفي صنعه ، فالجمال هو نعوت الرحمة والألطاف من الحضرة الإلهية باسمه الجميل ، وهو الجمال الذي له الجلال المشهود في العالم ، وأما الجلال فهو نعوت القهر من الحضرة الإلهية الذي يكون عنده الوجود ، والهيبة التي هي من أثر الجمال ، والأنس الذي هو من أثر الجلال ، نعتان للمخلوق لا للخالق ، ولا لما يوصف به ، فإن الأنس مشاهدة جمال الحضرة الإلهية في القلب ، وهو جلال الجمال ، وأما الهيبة فهي مشاهدة جمال اللّه في القلب ، وأكثر الطبقة يرون الأنس والبسط من الجمال ، وليس كذلك ، ولا يهاب ولا يأنس إلا موجود ، ولا موجود إلا اللّه ، فالأثر عين الصفة ، والصفة ليست مغايرة للموصوف في حال اتصافه بها ، بل هي عين الموصوف ، فلا محب ولا محبوب إلا اللّه عز وجل ، فما في الوجود إلا الحضرة الإلهية ، وهي ذاته وصفاته وأفعاله . ( ف ح 2 / 133 ، 114 ) وإذا علمت أن تغاير التجليات إنما كان من حيث ظهوره فيك ، فوصف نفسه بالحب من أجلك ، أسكرك هذا العلم - الحاصل لك من هذا التجلي - عن أن تكون أنت المحب له ، أي المحب من أجله ، فلم تحب أحدا من أجله ، وهو أحب من أجلك « 1 » ، فلو زلت أنت لم يتصف هو بالمحبة ، وأنت لا تزول فوصفه بالحب لا يزول . وإذا علمت أن شراب حبه إياك - وهو حبه إياك - أن تحبه ، فإذا أحببته علمت حين شربت شراب حبه إياك ، أن حبك إياه عين حبه إياك ، وأسكرك عن حبك إياه ، مع إحساسك بأنك تحبه ، فلم تفرّق ، وهو تجلي المعرفة ، فالمحب لا يكون عارفا أبدا ، والعارف لا يكون محبا أبدا ، فمن هنا يتميز المحب من العارف ، والمعرفة من المحبة ، فحبه لك مسكر عن حبك له ، وهو شراب الخمر ، الذي لو شربه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء لغوت عامة الأمة ، وحبك له لا يسكرك عن حبه لك ، وهو شراب اللبن الذي شربه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة الاسراء ، فأصاب اللّه به الفطرة التي فطر اللّه الخلق عليها ، فاهتدت أمته في ذوقها وشربها ، وهو الحفظ الإلهي والعصمة ، وعلمت ما لها وما له في حال صحو وسكر ، فشراب حبه لك هو العلم بأن حبك إياه من حبه إياك ، فغيّبك عن حبك إياه ، فأنت محب لا محب ، وهو المعبر عنه بالسكر ، إذ السكران هو الذي لا يعقل . ( ف ح 2 / 114 )

--> ( 1 ) جاء في الحديث القدسي « يا ابن آدم خلقتك من أجلي وخلقت الأشياء من أجلك فلا تهتك ما خلقت من أجلي لما خلقت من أجلك » .