محمود محمود الغراب

176

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

وإذا تكون شيء عن شيء ، لا يعدمه ذلك الشيء ، فلما كانت العلوم والمعارف نتائج عن نيران الطب والشوق إليها ، لم تفن بها ، في حين أن المحب الغير العارف ، لا عقل له ، فإنه يخاف أن تحرق نيران محبته صورة محبوبه ، ولهذا فإن قلب العارف قابل لتنوع الواردات عليه ، وتنوع الواردات بتنوع أحواله ، وتنوع أحواله لتنوع التجليات الإلهية لسره ، فيأخذ علوم مشاهدة وكشف ، لا علوم إيمان وغيب ، فإنها عن تجليات صور ، ولهذا كان العارف يتلقى تكليفات محبوبه ، بالقبول والرضى والمحبة ورفع المشقة والكلفة ، وهذا مخصوص بالمحمديين ، وحالهم الستر والكتمان ، فيظهرون في كل عالم بحسب المواطن ، والمنكرون عليهم أحوالهم لا يعرفون جمال من تعشقوا به ، فإنه غيب لهم ، وليس عندهم إيمان ، فإنه يتجلى إلى قلب من شاء من عباده بضرب من ضروب المعرفة ، ليهيمهم ذلك التجلي فيه ، فتهون عليهم الشدائد التي تجري بها الأقدار عليهم ، ولقرب الحق من قلوب العارفين بالعلم المحقق الذي وجدوه ، لهذا صحوا ، ولم يهيموا فيه هيمان المحبين للّه ، من كونه تجلى لهم في جمال مطلق ، وتجليه للعلماء في كمال مطلق ، وأين الكمال من الجمال ؟ ! ! فإن الأسماء في حق الكامل تتمانع ، فيؤدي ذلك التمانع إلى عدم تأثيرها فيمن هذه صفته ، فيبقى منزها عن التأثير مع الذات المطلقة ، التي لا تقيدها الأسماء ولا النعوت ، فيكون الكامل في غاية الصحو ، كالرسل وهم أكمل الطوائف ، لأن الكامل في غاية القرب ، يظهر به في كمال عبوديته ، مشاهدا كمال ذات موجده ، ولهذا قلنا : العارف لا يكون محبا ، والمحب لا يكون عارفا ، لأن المحب يظهر سلطان حبه فيه ، ويحكم على علمه ، وتحكم فيه المحبة بآثارها ولوازمها ، فيقال فيه : محب ، وينسب إلى المحبة لا إلى العرفان ولو كان عارفا ، لأن الحال عليه أغلب ، يقول ابن الفارض رضي اللّه عنه وهو من المحبين العارفين : قل للذين تقدموا قبلي ومن * بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى عني خذو وبي اقتدوا ولي اسمعوا * وتحدثوا بصبابتي بين الورى ويقول أيضا : كل من في حماك يهواك ولكن * أنا وحدي بكل من في حماكا يحشر العاشقون تحت لوائي * وو جميع الملاح تحت لواكا