محمود محمود الغراب

166

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

يحبك ؟ قالت : بالعناية القديمة ، جيّش من أجلي الجيوش ، وأنفق الأموال ، وأخرجني من بلاد الشرك ، فأدخلني في التوحيد ، وعرفني نفسي بعد جهلي إياها ، فهل هذه إلا العناية ؟ قلت : كيف حبك له ؟ قالت : أعظم شيء وأجله ، قلت : وتعرفين الحب ؟ قالت : فإذا جهلت الحب فأي شيء أعرف ؟ قلت : فكيف هو ؟ قالت : هو أرق من السراب ، قلت : وأي شيء هو ؟ قالت : عجنت طينته بالحلاوة ، وخمرت في إناء الجلالة ، حلو المجتنى ما أقصر ، فإذا أفرط عاد خبلا قاتلا ، وفسادا معضلا ، وهو شجرة ، غرسها كربة ، ومجتناها لذيذ ، ثم ولت وأنشأت تقول : وذي قلق لا يعرف الصبر والعزا * له مقلة عبرا أضر بها البكا وجسم عليل من شجا لاعج الهوى * فمن ذا يداوي المستهام من الضنا ولا سيما والحب صعب مرامه * إذا عطفت منه عواطف بالفنا ( مسامرات ح 1 ) قال الجنيد : حججت على الوحدة ، فجاورت بمكة ، فكنت إذا جن الليل دخلت أطوف ، فإذا بجارية تطوف وهي تقول : أبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته * فأصبح عندي قد أناخ وطنبا إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره * وإن رمت قربا من حبيبي تقرّبا ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكره * ويسعدني حتى ألذ وأطربا قال : فقلت لها : يا جارية ، أما تتقين اللّه في هذا المكان ؟ تتكلمين بهذا الكلام ، فالتفتت إليّ وقالت : يا جنيد ! لولا التقى لم ترني * أهجر طيب الوسن إن التقى شردني * كما ترى عن وطني أفرّ من وجدي به * فحبه هيمني ثم قالت : يا جنيد ! تطوف بالبيت أم برب البيت ؟ قلت : أطوف بالبيت ، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت : سبحانك ما أعظم شأنك في خلقك ، خلق كالأحجار يطوفون بالأحجار ، ثم أنشأت تقول : يطوفون بالأحجار يبغون قربة * إليك وهم أقسى قلوبا من الصخر وتاهوا ولم يدروا من التيه من هم * وحلّوا محل القرب في باطن الفكر فلو صدقوا في الود غابت صفاتهم * وقامت صفات الود للحق في الذكر