محمود محمود الغراب
165
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
ولقي ذو النون رجلا باليمن كان قد رحل إليه في حكاية طويلة ، وفيها ثم قال له ذو النون : رحمك اللّه ما علامة المحب للّه ؟ فقال له : حبيبي إن درجة الحب درجة رفيعة ، قال : فأنا أحب أن تصفها لي ، قال : إن المحبين للّه شق لهم عن قلوبهم ، فأبصروا بنور القلوب عز جلال اللّه ، فصارت أبدانهم دنياوية ، وأرواحهم حجبية ، وعقولهم سماوية ، تسرح بين صفوف الملائكة ، وتشاهد تلك الأمور باليقين ، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم حبا له ، لا طمعا في جنة ، ولا خوفا من نار ، فشهق الفتى شهقة كانت فيها نفسه . قلنا : كان هذا القائل من العارفين ، فإنه ذكر ما يدل على ذلك ، وهي ثلاثة ألقاب ، ليس في الكون إلا هي ، فقال : أبدانهم دنياوية ، لأنه قال وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ فلا بد أن يترك له من حقائقه من يكون معه في الدنيا ، إذ كان الإنسان مجموع العالم ، وليس إلا بدنه ، لأنه أقرب إليه من حبل الوريد ، وهو عرق بدني ، فلو مشى بكله لكان ناقص الحال ؛ والثاني : عقولهم سماوية ، لأن العقول صفات تقييد ، فإن العقل يقيد إذ كان من العقال ، والسماوات محال للملائكة المقيدة بمقاماتها فقالت وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فلا تتعداه ، قد حبسه فيه من أوجده له ، ولهذا فسره بأن قال : تسرج بين صفوف الملائكة ؛ فهم بعقولهم في السماوات ، وما في الكون المركب إلا سماء وأرض ؛ والثالث : أرواحهم حجبية ، لأنه لما سوّى سبحانه الصور البدنية احتجب بها ، بل حجبها عن ظهوره في عينها وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي * فظهرت أرواحهم عن هذا الروح الحجابي ، فهم مشاهدون أصلهم ، عالمون بأنه حجاب ، ليعلموا من هو الظاهر في أعيانهم ، ومن المسمى فلانا ، ولم سمي ؟ وهنا أسرار دقيقة . ( ف ح 2 / 349 ) عن أبي الأشهب السائح قال : بينما أنا أطوف ، إذا نحن بجويرية قد تعلقت بأستار الكعبة وهي تقول : يا وحشتي بعد الأنس ، ويا ذلتي بعد العز ، ويا فقري بعد الغنى ؛ فقلت لها : ما لك ؟ أذهب لك مال ؟ أو أصبت بمصيبة ؟ قالت : لا ، ولكن كان لي قلب فقدته ؛ قلت : وهذه مصيبة ؟ قالت : وأي مصيبة أعظم من فقد القلوب ؟ وانقطاعها عن المحبوب ؟ فقلت لها : إن حسن صوتك قد عطل على سامعيه الطواف ، قالت : يا شيخ ، البيت بيتك أم بيته ؟ قلت : بل بيته ، قالت : فالحرم حرمك أم حرمه ؟ قلت : حرمه ، قالت : فدعنا نتدلل عليه على قدر ما استزادنا عليه ، ثم قالت : بحبك لي إلا ما رددت عليّ قلبي ، فقلت لها : من أين تعلمين أنه