محمود محمود الغراب

164

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

فقال الفتى : يا أستاذ وهل رأيت عبدا اصطنعه مولاه من بين عبيده ، واصطفاه وأعطاه مفاتيح الخزائن ، ثم أسر إليه سرا ، أيحسن أن يفشي ذلك السر ؟ ثم أنشأ يقول « 1 » : من سارروه فأبدى السر مجتهدا * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وباعدوه فلم يسعد بقربهم * وأبدلوه من الإيناس إيحاشا لا يصطفون مذيعا بعض سرهم * حاشى ودادهم من ذلكم حاشا يقول لا يصح الاجتهاد في سر المحبوب من المحب ، بل ينتظر أمر محبوبه ، فإن أمره بإذاعته أذاعه ، وإن لم ، فالأصل الكتمان « 2 » . ( ف ح 2 / 348 - مسامرات ح 2 ) ويقول الشيخ الأكبر قدس اللّه سره عن نفسه : لقد منحني اللّه سرا من أسراره - بمدينة فاس سنة أربع وتسعين وخمسمائة - فأذعته ، فإني ما علمت أنه من الأسرار التي لا تذاع ، فعوتبت فيه من المحبوب ، فلم يكن لي جواب إلا السكوت ، إلا أني قلت له : تول أنت أمر ذلك فيمن أودعته إياه ، إن كانت لك غيرة عليه ، فأنت تقدر ولا أقدر ، وكنت قد أودعته نحوا من ثمانية عشر رجلا ، فقال لي : أنا أتولى ذلك ، ثم أخبرني أنه سله من صدورهم وسلبهم إياه ، وأنا بسبتة ، فقلت لصاحبي عبد اللّه الخادم : إن اللّه أخبرني أنه فعل كذا وكذا ، فقم بنا نسافر إلى مدينة فاس حتى نرى ما ذكر لي في ذلك ، فسافرت ، فلما جاءتني تلك الجماعة ، وجدت اللّه قد سلبهم ذلك وانتزعه من صدورهم ، فسألوني عنه فسكت عنهم . وهذا من أعجب ما جرى لي في هذا الباب ، فلله الحمد حيث لم يعاقبني بالوحشة ، التي قالها هذا الشاب لذي النون . ولما كان طريق اللّه ذوقا ، تخيل هذا الشاب أن الذي عامله به الحق ، هكذا يعامل به جميع الخلق ، فذوقه صحيح وحكمه في ذلك على اللّه ليس بصحيح ، وهذا يقع في الطريق كثيرا إلا من المحققين ، فإنه لا يقع لهم مثل هذا ، لمعرفتهم بمراتب الأمور وحقائقها ، وهو علم عزيز المنال . ( ف ح 2 / 348 )

--> ( 1 ) الشاب هو محمود الورّاق ( راجع كتاب بيان أحوال الصوفية / لأبي عبد الرحمن السلمي ) . ( 2 ) ولبعضهم : من أطلعوه على سر فباح به * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وعاقبوه على ما كان من زلل * وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا ( كتاب مختصر الخلفاء )