محمود محمود الغراب
16
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
وتعظيمه والثناء عليه أحب ، وأما حبه إيانا لنا ، فلما عرّفنا به من الأعمال التي تؤدينا إلى سعادتنا ونجاتنا ، من الأمور التي لا توافق أغراضنا ولا تلائم طباعنا ، وعرفنا بمصالحنا دنيا وآخرة ، ونصب لنا الأدلة على معرفته حتى نعلمه ولا نجهله ، ثم إنه رزقنا وأنعم علينا مع تفريطنا بعد علمنا به ، وإقامة الدليل عندنا على أن كل نعمة نتقلّب فيها إنما ذلك من خلقه ، وراجعة إليه ، وأنه ما أوجدها إلا من أجلنا لننعم بها ونقيم بذلك ، وتركنا نرأس ونربع ، ثم إنه بعد هذا الإحسان التام لم نشكره ، والعقل يقضي بشكر المنعم ، وقد علمنا أنه لا محسن إلا اللّه ، فمن إحسانه أن بعث إلينا رسولا من عنده معلما ومؤدبا ، فعلمنا بما لنا في نفسه ، فشرع لنا الطريق الموصل إلى سعادتنا وأبانه ، وحذرنا من الأمور المردية واجتناب سفساف الأخلاق ومذامها ، ثم أقام الأدلة على صدقه عندنا ، فجاء بالبينات ، وقذف في قلوبنا نور الإيمان وحببه إلينا وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، فآمنا وصدقنا ، ثم منّ علينا بالتوفيق ، فاستعملنا في محابه ومراضيه ، فعلمنا أنه لولا ما أحبنا ما كان شيء من هذا كله ، ثم إن رحمته سبقت غضبه وإن شقي من شقي ، فلا بد من شمول الرحمة والعناية والمحبة الأصلية التي تؤثر في العواقب ، ولما سبقت المحبة وحقت الكلمة وعمت الرحمة ، وكانت الدار الدنيا دار امتزاج وحجاب - بما قدره العزيز العليم - خلق الآخرة ونقلنا إليها ، وهي دار لا تقبل الدعاوى الكاذبة ، فأقر الجميع بربوبيته هناك ، كما أقروا بربوبيته في قبضة الذر من ظهر آدم ، فكنا في الدار الدنيا وسطا بين طرفين : طرفي توحيد وإقرار ، وفي الوسط ، وقع الشرك مع ثبوت الوجود ، فضعف الوسط ، ولذلك قالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فنسبوا العظمة والكبرياء إلى اللّه تعالى في شركهم ، ثم أخبرنا تعالى أنه طبع على قلب كل من ظهر في ظاهر لقومه بصفة الكبرياء والجبروت ، وما جعل ذلك في قلوبهم إلا بسبب طابع العناية ، فهم عند نفوسهم بما يجدونه من العلم الضروري أذلاء صاغرون لذلك الطابع ، فما دخل الكبرياء على اللّه قلب مخلوق أصلا ، وإن ظهرت منه صفات الكبرياء ، فثوب ظاهر لا بطانة له منه ، وهذا كله من رحمته ومحبته في خلقه ، ليكون المآل إلى السعادة ، فلما ضعف الوسط وتقوى الطرفان غلب في آخر الأمر ، وامتلأت الداران ، وجعل في كل واحدة منهما نعيما لأهلها ، يتنعمون به بعد ما طهرهم اللّه بما نالوه من العذاب ، لينالوا النعيم على طهارة ، ألا ترى المقتول قودا كيف طهره القتل من ظلم القتل الذي قتل من قتل