محمود محمود الغراب
155
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحب لا يعلم أنه محب ، كثير الشوق لا يدري لمن ؟ عظيم الوجد لا يدري فيمن ؟ لا يتميز له محبوب : القرب المفرط حجاب ، فيجد آثار الحب وقد لبسته صورة محبوبه مما يحكم في خياله ، فيطلبه من خارج ، فلا يجد ما عانق من صورته في نفسه ، لكثافة الظاهر عن لطف الباطن ، المحب مع المعنى الذي يأخذه من المحبوب ويرفعه في نفسه ، وذلك المعنى المرفوع عند المحب منه ، هو الذي يقلقه ويزعجه ، فهو فيه ولا يدري أنه هو فيه ، فلا يطلبه إلا به ، اللطيف يغيب عن الحواس ، يقول ولا يعقل ما يقول ، ولا بقوله قلبي عند محبوبي . ضاع قلبي أين أطلبه * ما أرى جسمي له وطنا ولا بقوله محبوبي في قلبي ، لا أدري في أي الحالتين هو أصدق ، يجمع بين الضدين ، هو عندي ما هو عندي ، هذا ألطف ما وجدته في الحب ، وهو أن تجد عشقا مفرطا ، وهوى وشوقا مقلقا ، وغراما ونحولا ، وامتناع نوم ولذة بطعام ، ولا تدري فيمن ؟ ولا بمن ؟ ولا يتعين لك محبوبك ، هذا ألطف ما وجدته ذوقا ، ثم بعد ذلك ، إما أن يبدو لك تجل في كشف ، فيتعلق ذلك الحب به ، أو ترى شخصا فتجد الميل إليه بذلك الهوى الذي عندك ، فتعلم أنه صاحبك ، وهذا من أخفى دقائق استشراف النفوس على الأشياء من خلف حجاب الغيب ، فتجهل حالها ، ولا تدري بمن هامت ؟ ولا فيمن هامت ؟ ولا ما هيمها ؟ ويجد الإنسان ذلك في القبض والبسط الذي لا يعرف له سببا ، فعند ذلك يأتيه ما يحزنه ، فيعرف أن ذلك القبض كان لهذا الأمر ، أو يأتيه ما يسره ، فيعرف أن ذلك البسط كان لهذا الأمر ، وذلك لاستشراف النفس على الأمور ، من قبل تكوينها في تعلق الحواس الظاهرة ، وهي مقدمات التكوين ، ولما ذقنا هذا المقام قلنا فيه : علقت بمن أهواه عشرين حجة * ولم أدر من أهوى ولا أعرف الصبرا ولا نظرت عيني إلى حسن وجهها * ولا سمعت أذناي قط لها ذكرا إلى أن تراءى البرق من جانب الحمى * فنعمني يوما وعذبني دهرا ولنا أيضا في هذا المعنى ذوقا ، فإنا لا نعبر إلا عما ذقناه : علقت بمن أهواه من حيث لا أدري * ولا أدري من هذا الذي قال لا أدري فقد حرت في حالي وحارت خواطري * وقد حارت الحيرات فيّ وفي أمري