محمود محمود الغراب
15
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
العالم أعضاء ذلك الإنسان ، وما وصف المحبوب بمحبة محبه ، وإنما جعله محبوبا لا غير ، وإنما قال : الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فهو الودود فهو المحب ، وهو فعال لما يريد فهو المحبوب ، فعال لما يريد بمحبوبه ، والمحب سامع مطيع مهيّا لما يريد محبوبه ، لأنه المحب الودود ، أي الثابت على لوازم المحبة وشروطها ، والعين واحدة « 1 » . فإن الودود هنا هو الفعال لما يريد . ( ف ح 4 / 259 ) إن التي كان الوجود بكونها * ذات يقدّس لفظها معناها إني لأهواها وأهوى قربها * مني وأهوى كل من يهواها ليلى ولبنى والرباب وزينب * أتراب من حبي لها محياها لو مت مات وجودها بمماتنا * فوجودنا عين لها وسواها عجبا لنا ولها فإن وجودنا * فرد « 2 » فلا ثان فمن ثنّاها ( ف ح 3 / 314 ) المحبة الإلهية : اعلم وفقك اللّه أن الحب الإلهي هو أن يحبنا اللّه تعالى لنا ولنفسه ؛ أما حبه إيانا لنفسه فهو قوله : « أحببت أن أعرف فخلقت الخلق فتعرفت إليهم فعرفوني » فما خلقنا إلا لنفسه حتى نعرفه ، وقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فما خلقنا إلا لنفسه ، خلق سبحانه الخلق ليسبحوه فنطّقهم بالتسبيح له والثناء عليه والسجود له ، ثم عرّفنا بذلك فقال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي بالثناء عليه بما هو عليه وبما يكون منه ، وهذا تسبيح فطري ذاتي عن تجل تجلى لهم ، فأحبوه فانبعثوا إلى الثناء عليه من غير تكليف بل اقتضاء ذاتي ، وهذه هي العبادة الذاتية التي أقامهم اللّه فيها بحكم الاستحقاق الذي يستحقه ، فالعالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر ، وليس إلا النفوس الناطقة الإنسانية والجانيّة خاصة ، من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم ، فإن هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود ، فأعضاء البدن كلها بتسبيحه ناطقة ، وهذا كله من حكم حبه إيانا لنفسه ، فمن وفّى شكره ومن لم يوف عاقبه ، فنفسه أحب ،
--> ( 1 ) يعني أن الحق سبحانه هو من حيث ذاته محب محبوب . ( 2 ) راجع وحدة الوجود في كتابنا شرح كلمات الصوفية .