محمود محمود الغراب
148
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحب اللّه - لا ينتفع بالطاعة ولا يتضرر بالمخالفة ، من أحبه من عباده لم تضره الذنوب ، ولا قدحت في منزلته ، بل بشّره فقال : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فقدم العفو على السؤال عندنا ، وعلى العتاب عند غيرنا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فقدم المغفرة على الذنب ، وليس بذنب عنده ، وإنما ذكره لتعرف العناية الإلهية بأحبابه ، لا ذنب لمحبوب ، ولا حسنة لمحب عند نفسه ، ومع هذا كله ، فإنه مقام خفي غير جلي ، سريع التفلت في المحب ، يتصور فيه المطالبة مع الأنفاس ، مدّعيه حافظ لميزانه ، إن أخلّ به قامت الحجة عليه من الجانبين ، فلا يحفظه إلا ذو معرفة تامة ، وذو حب صادق ، قوي السلطان ، ثابت الحكم . ( ف ح 2 / 359 - مسامرات ح 2 - ف ح 2 / 359 ) المحب غير مطلوب بالآداب : إنما يطلب بالأدب من كان له عقل ، وصاحب الحب ولهان مدلّه العقل ، لا تدبير له ، غير مؤاخذ في كل ما يصدر عنه . فإذا كان المحب اللّه - فهو الكبير المالك ، مشرع الآداب في العقلاء ، مؤدب أوليائه كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه أدبني فأحسن أدبي » والسيد لا يقال يتأدب مع غلامه ، وإنما يقال السيد يعطي ما يستحقه العبد المحبوب عنده المكرم لديه منة منه وفضلا ، فالسيد غير مطالب بالأدب مع عبده ، وإن كان محبوبا له . ( ف ح 2 / 359 ) المحب ناس حظه وحظ محبوبه : حب الحب هو الشغل بالحب عن متعلقه ، فإن العاشق المحب من أشرب في قلبه الحب ، وعشق العشق هو الحب الصدق ، جاءت ليلى إلى قيس وهو يصيح : ليلى ليلى ؛ ويأخذ الجليد ويلقيه على فؤاده فتذيبه حرارة الفؤاد ، فسلمت عليه وهو في تلك الحال ، فقالت له : أنا مطلوبك ، أنا بغيتك ، أنا محبوبك ، أنا قرة عينك ، أنا ليلى ؛ فقال العاشق المجنون لمعشوقه على التعيين : إليك عني وتباعدي مني ، فإن حبك شغلني عنك ، وأنت مني وأنا منك ؛ فوقف مع الألطف ، وزهد في الأكثف ، لأنه عرف ما كثف ، فوقف وما انحرف ، وهذا ألطف ما يكون ، وأرق في المحبة ، فحب الحب ينسي المحب حظه وحظ محبوبه ، فإن الحب استفرغه ، فأنساه المحبوب وأنساه نفسه ، والحقيقة الإلهية التي صدرت منها هذه