محمود محمود الغراب
128
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحب سائر إلى محبوبه بأسمائه : وذلك أنه تجلى له في أسماء الكون ، وتجلى له في أسمائه الحسنى ، فتخيل في تجليه بأسماء الكون ، أنه نزول من الحق في حقه ، ولم يك ذلك من أفقه ، فلما تخلق بأسمائه الحسنى ، غلبه ما جرت عليه طريقة أهل اللّه من التخلق ، وهو يتخيل أن أسماء الكون خلقت له لا للّه ، وأن منزلة الحق فيها بمنزلة العبد في أسمائه الحسنى ، فقال : لا أدخل عليه إلا بأسمائي ، وإذا خرجت إلى خلقه أخرج إليهم بأسمائه الحسنى تخلقا ، فلما دخل عليه بما يظن أنها أسماؤه ، وهي أسماء الكون عنده ، رأى ما رأته الأنبياء من الآيات ، في إسرائها ومعارجها في الآفاق وفي أنفسهم ، فرأى أن الكل أسماؤه تعالى ، وأن العبد لا اسم له ، حتى أن اسم العبد ليس له ، وأنه متخلق به كسائر الأسماء الحسنى ، فعلم أن السير إليه والدخول عليه والحضور عنده ليس إلا بأسمائه ، وأن أسماء الكون أسماؤه ، فاستدرك الغلط بعد ما فرط ما فرط ، فجبر له هذا الشهود ، ما فاته حين فرق بين العابد « 1 » والمعبود ، وهذا مجلى عزيز في منصة عظمى ، كانت غاية أبي يزيد البسطامي دونها ، فإن غايته ما قاله عن نفسه : « تقرب إليّ بما ليس لي » فهذا كان حظه من ربه ، ورآه غاية ، وكذلك هو ، فإنه غايته لا الغاية ، وهذه طريقة أخرى ما رأيتها لأحد من الأولياء ذوقا ، إلا للأنبياء والرسل خاصة ، من هذا المجلى وصفوه سبحانه بما يسمى في علم الرسوم صفات التشبيه ، فيتخيلون أن الحق وصف نفسه بصفات الخلق ، فتأولوا ذلك ، وهذا المشهد يعطي أن كل اسم للكون فأصله للحق حقيقة ، وهو للخلق لفظا دون معنى ، وهو به متخلق . ( ف ح 2 / 350 ) المحب طيار نعت المحب بأنه طيار * علم صحيح ما عليه غبار هذا بيت غير مقصود ، هو ما ذكرناه من أسماء الكون ، كان يتخيل أن تلك الأسماء وكره ، فلما تبين له أنه في غير وكره ظهر ، فطار عن كونه وكره ، وحلق في جو كونه أسماء حقه ، فهو في كل نفس يطير منه إلى نفس آخر ، لأن عين الأسماء كلها لمن هو كل يوم في شأن ، فما من يوم إلا والمحب يطير فيه من شأن إلى شأن ، هذا يعطيه الشهود . ( ف ح 2 / 351 )
--> ( 1 ) راجع كتابنا ترجمة حياة الشيخ « كل الأسماء والصفات للّه تعالى بالأصالة »