محمود محمود الغراب
129
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
المحب دائم السهر : لما رأى أن المحبوب لا تأخذه سنة ولا نوم ، علم أن ذلك من مقام حبه لحفظ العالم ، ودعاه إلى هذا النظر ، كون الحق يتجلى في الصور ، وللصور أحكام ، ومن أحكام بعض الصور النوم ، ورآه في مثل هذه الصورة لا تأخذه سنة ولا نوم ، من حيث هذه الصورة ، فعلم أن ذلك من مقام حبه لحفظ العالم ، وإذا كان المحب جليس محبوبه ، ومحبوبه بهذه الصفة ، فالنوم عليه حرام ، فالمحب يقول مع الفراق : « إن النوم عليه حرام » فكيف مع الشهود والمجالسة ، قال بعضهم في سهر الفراق . النوم بعدكم عليّ حرام * من فارق الأحباب كيف ينام ( ف ح 2 / 351 ) فالنوم مع المشاهدة أبعد وأبعد « 1 » . المحب كامن الغم : أي غمه مستور لا ظهور له ، فسبب ذلك قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ * ثم يرى في شهوده أنه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه تعالى ، إذ هو محركها بما تتحرك فيه ، ويرى في شهوده ما يقابل الكون به خالقه من سوء الأدب ، وما لا ينبغي أن يوصف به . مما مدلوله العدم ، فيريد أن يتكلم ويبدي ما في نفسه من الغيرة التي تقتضيها المحبة ، ثم يرى أن ذلك بإذنه ، لأنه ممن يرى اللّه قبل الأشياء ، مقام أبي بكر ، فيسكن ، ولا يتمكن له أن يظهر غمه ، لأن الحب حكم عليه ، بأن ذلك الذي يعامل به المحبوب لا يليق به ، ويرى أنه سلط خلقه عليه بما أنطقهم به وما عذرهم ، وأرسل الحجاب دونهم ، فكمن غم هذا المحب في الدنيا ، فإنه في الآخرة لا غم له ، ولهذا يطلب الخروج من الدنيا . ( ف ح 2 / 351 )
--> ( 1 ) أحب اللّه قوما فاستقاموا * على طرق الوداد فلم يناموا سقاهم بالصفا من كأس ودّ * فصاموا في محبته وقاموا ( كتاب المقدمة في التصوف / لأبي عبد الرحمن السلمي ) وللإمام البرعي : لو ذقت كأس الهوى العذري ما هجعت * عيناك في جنح ليل جنّ مظلمه ولا ثنيّت عنان الشوق عن طلل * بال عفت بيد الأنواء أرسمه ما الحب إلا لقوم يعرفون به * قد مارسوا الحب حتى هان معظمه عذابه عند هم عذب وظلمته * نور ومغرمه بالراء مغنمه