محمود محمود الغراب
127
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
الملك إليه ، والمحب لا يخلو إما أن تغلب الطبيعة عليه ، فيكون مظلم الهيكل ، فيحب الحق في الخلق ، فيدرج النور في الظلمة ، اعتمادا على الأصل في قوله : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ، والنهار نور ، فعلم أنهما متجاوران ، وإن كانا ضدين : وأن أحدهما يجوز أن يكون مبطونا في الآخر ، فما يضرني أن أحب الحق في الخلق ، لأجمع بين الأمرين ، وأما إن غلب عليه الروح ، فيكون منور الهيكل ، فيحب الخلق في الحق لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه » فأحبه في النعم عن أمره ، فمشهوده الحق ، ومهما وقعت الغيرة بين الضدين ، ورأى كل ضد أن مطلوبه ربما يتخلص لضده ، يقول : « اقتله حتى لا يظفر به ضدي دوني » فإن قتلته الطبيعة مات وهو محب للأكوان ، وإن قتله الروح كان شهيدا حيا عند ربه يرزق ، فهو مقتول بكل حال ، كل محب في العالم هكذا ، وإن كان لا بشعر بذلك . حدّث الشيخ أبونا * عن أبيه عن قتادة عن عطاء بن يسار * عن سعيد بن عباده أن من مات محبا * فله أجر الشهادة ثم قد جاء بأخرى * مثل هذا وزيادة عن فضيل بن عياض * وهو من أهل الزيادة أن من مات خليا * كانت النار مهاده قال المحب : محب بكت عيناه من حب قاتل * فيا قاتلا يبكي عليه قتيل خليلي جفاني كان روحي لروحه * خليلا وهل يجفو الخليل خليل ( ف ح 2 / 350 - ديوان / 419 - مسامرات ح 2 ) المحب تالف : وذلك أنه خلقه اللّه من اسمه الظاهر والباطن ، فجعله عالم غيب وشهادة ، وخلق له عقلا يفرق به بين حكم الاسمين ، لإقامة الوزن بين العالمين في ذاته ، ثم تجلى له في اسمه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فحيره ، فلم يعطه هذا التجلي إقامة الوزن ولا سيما وقد قال له : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، فتلف من حيث لم ير حالا توجب العدل وإقامة الوزن ، فخرج عن حد التكليف ، إذ لا يكلف إلا عاقل لما تقيد بعقله ، فهذا نعت المحب بأنه تالف . ( ف ح 2 / 350 )