محمود محمود الغراب
114
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
سري ، كان نعيمي بك طيبا فكدرته ، وكان سري بك مطلقا فأسرته ، فقلت : هذا كله لإيثاري إياك على كل مخلوق ومصحوب ، وتقديمي إياك على كل محبوب ، وحملي عظيم بلائك ، وجهدي في بلوغ رضائك ، ثم لم أزل بين يديك منتصبا ، أتضرع إليك منتحبا ، أشكو منك إليك ، وأتماوت لك عليك ، وأصعق عند رؤيتك ، وأفرق عند زورتك ، يا قلبا تقلب على جمر الغضى ، أترى يعود إليك محبوبك بالرضى ؟ يا نفسا غرقت في بحر الأسى ، تعللي بذكره لعل وعسى ، فربما يمسي عندك معرّسا ، يا نظرة زودتنيها ليتها ما كانت ، يا حسرة أورثتنيها ليتها لو زالت ، ورد الفال الذي هو لسان الزمان ، أنّ آن الوصال قد آن ، وقد جاءت الرواحل بالبشائر ، وانتظمت القبائل والعشائر ألا تصغين لشرح حالي معك ؟ لا قلاك ربي ولا ودعك ، لم أزل منك في كل لحظة وآن ، في وصف إلهي كل يوم هو في شان ، سنفرغ لكم أيها الثقلان ، كلما ظهرت منك آية ، أعقبتها عماية ، ومتى تحققت منك صفاء ، تلاه كدر ، كيف يبقى جسم قد أنضجت كبده حرارة الأشواق ؟ وغشيت عيناه من البكاء حذر الفراق ، في أيام التلاق والعناق ؟ إن باح خاف من الوشاة ، وإن كتم هلك بتوالي الحسرات والزفرات ، فلا أدري واللّه في أي واد أهيم ؟ ولا على أي حالة أحوم ؟ كلما باسطتك انقبضت ، وكلما أقبلت عليك أعرضت ، أطلب أبلغ رضاك ، ولا أنظر لجهلي بقضاك ، أموري كلها بالبلايا معروفة ، وعلى الرزايا موقوفة ، أما تحنّي ؟ أما ترثي ؟ أما تنظري في حزني وبثي ؟ ها أنا ماثل بين يديك ، ناظر بعين الذلة والمسكنة إليك ، حيران لا دين لي ، ولهان لا عقل لي ، مبهوت ، بلا نفس عين تجود ، وحزن شديد ، لا يبلى ولا يبيد ، وأخ غير مساعد ولا موافق ، وليل لا صبح له ولا مرافق ، ولا قائل يقول : عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب ( ذخائر الأعلاق - تاج الرسائل ) طلب الرحمة « 1 » : المحب يطلب الرحمة به ، فإن المحبة حكم توجب رحمة الموصوف بها بنفسه ، ولذا
--> ( 1 ) يقول ابن الفارض : زدني بفرط الحب فيك تحيرا * وارحم حشا بلظى هواك تسعرا وإذا سألتك أن أراك حقيقة * فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى