محمود محمود الغراب
112
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
النحول : وهو نعت يتعلق بكثائفهم وبلطائفهم ، فأما تعلقه بلطائفهم ، فإن أرواح المحبين وإن لطفت عن إدراك الحواس ، ولطفت عن تصوير الخيال ، فإن الحب يلطفها لطافة السراب ، لمعنى أذكره ، وذلك أن السراب يحسبه الظمآن ماء لظمئه ، لولا ذلك ما حسبه ماء ، لأن الماء موضع حاجته ، فيلجأ إليه لكونه مطلوبه ومحبوبه ، لما فيه من سر الحياة ، فإذا جاءه لم يجده شيئا ، وإذا لم يجده شيئا ، وجد اللّه عنده عوضا عن الماء ، فكان قصده حسا للماء ، واللّه يقصد به إليه من حيث لا يشعر ، فكما أنه تعالى يمكر بالعبد من حيث لا يشعر ، كذلك يعتني بالعبد في الالتجاء إليه والرجوع إليه والاعتماد عليه ، بقطع الأسباب عنه عندما يبديها له من حيث لا يشعر ، فوجود اللّه عنده عند فقد الماء المتخيل له في السراب ، هو رجوعه إلى اللّه ، لما تقطعت به الأسباب ، وتغلقت دون مطلوبه الأبواب ، رجع إلى من بيده ملكوت كل شيء ، هو كان المطلوب به من اللّه ، هذا فعله مع أحبائه ، يردهم إليه اضطرارا واختيارا ، كذلك أرواحهم يحسبونها قائمة بحقوق اللّه التي فرضها عليها ، وأنها المتصرفة عن أمر اللّه محبة للّه ، وشوقا إلى مرضاته ، ليراها حيث أمرها ، فإذا كشف لها الغطاء واحتد بصرها ، وجدت نفسها كالسراب في شكل الماء ، فلم تر قائما بحقوق اللّه ، إلا خالق الأفعال وهو اللّه تعالى ، فوجدت اللّه عين ما تخيلت أنه عينها ، فذهبت عينها عنه ، وبقي المشهود الحق بعين الحق ، كما فني السراب عن السراب ، والسراب مشهود في نفسه وليس بماء ، كذلك الروح موجود في نفسه وليس بفاعل ، فعلم ذلك أن المحب عين المحبوب ، وأنه ما أحب سواه ، ولا يكون إلا كذلك ، وألطف من هذا النحول في الأرواح فلا يكون ؛ وأما النوع المتعلق من النحول بكثائفهم ، فهو ما يتعلق به الحس من تغير ألوانهم ، وذهاب لحوم أبدانهم ، لاستيلاء جولان أفكارهم ، في أداء ما كلفهم المحبوب أداءه مما افترضه عليهم ، فبذلوا المجهود ليتصفوا بالوفاء بالعهود ، إذ كانوا عاهدوا اللّه على ذلك ، وعقدوا عليه في إيمانهم به وبرسوله ، وسمعوه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وقال : أَوْفُوا بِعَهْدِي وقال : وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ وقال : وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا فهذا سبب نحول أجسامهم ، هذا علاوة على ما ذكرناه من أثر الحب الطبيعي في أجسام المحبين ، وأن مواد الغذاء تنصرف إلى صورة المحبوب في الخيال فتعظم ، وتقل عن البدن فينحل ،