محمود محمود الغراب

108

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

الجلال للّه معنى يرجع منه إليه ، وهو منعنا بالمعرفة به تعالى ، والجمال معنى يرجع منه إلينا ، وهو الذي أعطانا هذه المعرفة التي عندنا به والتنزلات والمشاهدات والأحوال ، وله فينا أمران : الهيبة والأنس ، وذلك لأن لهذا الجمال علوا ودنوا ، فالعلو نسميه جلال الجمال وفيه يتكلم العارفون ، وهو الذي يتجلى لهم ويتخيلون أنهم يتكلمون في الجلال الأول الذي ذكرناه ، وهذا جلال الجمال قد اقترن معه الأنس ، والجمال الذي هو الدنو قد اقترنت معه منا الهيبة ، فإذا تجلى لنا جلال الجمال آنسنا ، ولولا ذلك لهلكنا ، فإن الجلال والهيبة لا يبقى لسلطانهما شيء ، فيقابل ذلك الجلال منه بالأنس منا ، لنكون في المشاهدة على الاعتدال ، حتى نعقل ما نرى ولا نذهل ، وإذا تجلى لنا الجمال هنا ، فإن الجمال مباسطة الحق لنا ، والجلال عزته عنا ، فنقابل بسطه معنا في جماله بالهيبة ، فإن البسط مع البسط يؤدي إلى سوء الأدب ، وسوء الأدب في الحضرة سبب الطرد والبعد ، ولهذا قال من قال من المحققين ممن عرف هذا المعنى : « اقعد على البساط وإياك والانبساط » فإن جلاله في أنفسنا يمنعنا في الحضرة من سوء الأدب ، كما أن هيبتنا في جماله وبسطه تمنعنا من سوء الأدب ، ولهذا فإن القرآن يحوي على جلال الجمال والجمال ، فأما الجلال المطلق فليس لمخلوق في معرفته مدخل ولا شهود ، انفرد الحق به ، وهو الحضرة التي يرى فيها الحق سبحانه نفسه بما هو عليه ، فلو كان لنا فيه مدخل لأحطنا علما باللّه وبما عنده ، وهذا محال ، فجلال الجمال يكسوك الهيبة فتهاب المقام ، وهو الذي يجده المحب والعارف من تعظيم المحبوب ، فيؤثر جنابه على كل شيء . ( كتاب الجلال والجمال - ف ح 2 / 661 ) فالجمال مهوب معظم ، والجلال المطلق مهوب معظم وليس بمحبوب ، فإنه من سطوات القهر والجبروت ، فتفرق منه النفوس . قال الشاعر : اشتاقه فإذا بدا * أطرقت من إجلاله لا خيفة بل هيبة * وصيانة لجماله ( ذخائر الأعلاق - ف ح 2 / 105 - ح 4 / 241 ) فإن قلت : إلى أي حقيقة من الحقائق الإلهية تستند الهيبة ؟ قلنا : لما كان الجمال يهاب لذاته ، والحق لا يهاب شيئا ، وقد وصفه العالم صلى اللّه عليه وسلم بأنه جميل ، والهيبة تجعل صاحبها أن يترك