محمود محمود الغراب

5

الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المقدّمة الحمد للّه الذي خلق الإنسان ، واختصه بالخلافة دون الجان ، ومع ذلك قال تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ لما أعد للسعداء منهما في الجنان ، من روح وريحان ، وسعر من أجل الأشقياء النيران ، في دار سرابيلها من قطران ، فهما فريقان ، هنا وفي دار الحيوان ، والصلاة والسلام على الكامل الأكمل ، سيدنا ونبينا محمد الصادق الوعد الأمين ، قطب الأرواح وروح الوجود ، المبعوث رحمة للعالمين . وبعد : اعلم أيها القارئ الكريم والولي الحميم ، أن اللّه اصطفى من كل جنس نوعا ، ومن كل نوع شخصا ، واختاره عناية منه بذلك المختار ، أو عناية بالغير بسببه ، وقد يختار من الجنس النوعين والثلاثة ، وقد يختار من النوع الشخصين والثلاثة والأكثر ، فاختار من النوع الإنساني المؤمنين ، واختار من المؤمنين الأولياء ، واختار من الأولياء الأنبياء ، واختار من الأنبياء الرسل ، وفضل بعضهم على بعض ، فهذا النوع الإنساني فيه خصائص وصفوة ، وأعلى الخواص فيه من العباد الرسل عليهم السلام ، ولهم مقام النبوة والولاية والإيمان . قال تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وقال : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ صلى اللّه عليه وسلم فهذا هو الإنسان الكامل الذي قال تعالى فيه : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا كما أن في هذا النوع الإنساني - الذي يشترك مع الكامل في الصورة الظاهرة - من قال تعالى فيه إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وقال فيه يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وهذا هو الإنسان الحيوان الذي قال تعالى فيه ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ولما كانت الصورة الظاهرة مشتركة بين الكامل وغيره ، لزم أن تعرف مقومات الكمال في هذا الإنسان ، حتى تتميز المراتب ، فإن الكامل من هذا النوع اختص برتبة لم ينلها غيره من الملأ الأعلى النوراني ، ولا من الملأ الأسفل العنصري ، حيث جعلت فيه الخلافة ، فقال تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً الآية . فكان لهذا الخليفة الكمال في بني جنسه ، وتتفاوت درجات الكمال بين