محمود محمود الغراب
25
الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر
أن يكون له ، فالإنسان الكامل هو ظل اللّه في خلقه من خلقه ، فعن ذلك هو خليفة ، ولذلك فالخلفاء خلفاء عن مستخلف واحد . ( ف ح 3 / 280 - 297 ) . فالإنسان الكامل له الشرف على جميع من في السماء والأرض ، فإنه العين المقصودة للحق من الموجودات ، لأنه الذي اتخذه اللّه مجلى ، لأنه ما كمل إلا بصورة الحق ، كما أن المرآة وإن كانت تامة الخلق ، فلا تكمل إلا بتجلي صورة الناظر ، فتلك مرتبتها ، والمرتبة هي الغاية ، ولما شاء سبحانه أن يعطي كماله حقه ، ولم يزل كذلك ، وخلق العالم للتسبيح بحمده سبحانه ، لا لأمر آخر ، والتسبيح للّه ، ولا يكون المسبح في حالة الشهود ، لأنه فناء عن الشهود ، والعالم لا يفتر عن التسبيح طرفة عين ، لأن تسبيحه ذاتي كالنفس للمتنفس ، فدل أن العالم لا يزال محجوبا ، وطلبهم بذلك التسبيح المشاهدة ، فخلق سبحانه الإنسان الكامل على صورته ، وعرف الملائكة بمرتبته ، وأخبرهم بأنه الخليفة في العالم ، وأن مسكنه الأرض ، وجعلها له دارا لأنه منها خلقه ، وشغل الملأ الأعلى به سماء وأرضا ، فسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، أي من أجله ، واحتجب الحق ، إذ لا حكم للنائب بظهور من استخلفه ، فاحتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار ، وعلم آدم الأسماء كلها وأمره بتعليم الملأ الأعلى ، وأمر من في السماوات والأرض بالنظر فيما يستحقه هذا النائب ، فسخر له جميع من في السماوات والأرض ، حتى المقول عليه الإنسان من حيث تماميته لا من حيث كماليته ، فهذا النوع المشارك له في الاسم إذا لم يكمل هو من جملة المسخرين لمن كمل ، وألحق في كماله بالغنى عن العالمين ، وهو وحده أعني الإنسان الكامل يعبد ربه الغني عنه ، فكماله أن لا يستغني عنه ، وما ثمّ من يعبده على الشهود من غير تسبيح إلا الكامل ، فإن التجلي له دائم ، فحكم الشهود له لازم ، فهو أكمل الموجودات معرفة باللّه وأدومهم شهودا ، وله إلى الحق نظران ، ولهذا جعل له عينين ، فينظر بالعين الواحدة إليه من كونه غنيا عن العالمين ، فلا يراه في شيء ولا في نفسه ، وينظر إليه بالعين الأخرى من اسمه الرحمن ، بكونه يطلب العالم ، فيراه ساري الوجود في كل شيء ، فيفتقر بهذه النظرة من هذه العين إلى كل شيء ، من حيث ما هي الأشياء أسماء الحق ، لا من حيث أعيانها ، فلا أفقر من الإنسان الكامل إلى العالم ، لأنه يشهده مسخرا له ، فعلم أنه لولا ما هو عليه من الحاجة إلى ما سخروا فيه من أجله ما سخروا ، فيعرف نفسه أنه أحوج إلى العالم من العالم إليه . ( ف ح 3 / 1 / 145 ) .