محمود محمود الغراب

26

الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر

آدم الإنسان الكامل خليفة اللّه في أرضه : لما خلق اللّه الإنسان من جملة خلقه ، خلقه إماما ، وأعطاه الأسماء الإلهية ، وأسجد له الملائكة ، وجعل له تعليم الملائكة ما جهلوه ، وكمل به وفيه وجود العالم ، وحصّل الصورتين ، ففاز بالسورتين ، أعني المنزلتين ، منزلة العزة بالسجود له ، ومنزلة الذلة بعلمه بنفسه ، فلم يزل في شهود خالقه ، فلم تقم به عزة ، بل بقي على أصله من الذلة والافتقار ، ولما حمل الأمانة عرضا ، وجرى ما جرى ، قال هو وزوجه إذ كانت جزءا منه رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا بما حملاه من الأمانة . ( ف ح 4 / 230 ، 231 ) . ورد أن شجرة طوبى غرسها اللّه بيده ، وخلق جنة عدن بيده ، فوحد اليد هنا وجمعها بقوله : مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا وما ثناها إلا في خلق آدم عليه السلام وهو الإنسان الكامل ، ولا شك أن التثنية برزخ بين الجمع والإفراد ، بل هي أول الجمع ، والتثنية تقابل الطرفين بذاتها ، فلها درجة الكمال ، لأن المفرد لا يصل إلى الجمع إلا بها ، والجمع لا ينظر إلى المفرد إلا بها ، فبالإنسان الكامل ظهر كمال الصورة ، فهو قلب لجسم العالم الذي هو عبارة عن كل ما سوى اللّه ، وهو البيت المعمور بالحق لما وسعه ، يقول تعالى في الحديث المروي : « ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن » فكانت مرتبة الإنسان الكامل - من حيث هو قلب - بين اللّه والعالم . ( ف ح 3 / 295 ) . وعلّم آدم الأسماء كلها : لم يخلق اللّه تعالى الإنسان عبثا ، بل خلقه ليكون وحده على صورته ، فكل من في العالم جاهل بالكل عالم بالبعض ، إلا الإنسان الكامل وحده ، فإن اللّه علمه الأسماء كلها ، وآتاه جوامع الكلم ، فكملت صورته ، فجمع بين صورة الحق وصورة العالم ، فكان برزخا بين الحق والعالم ، مرآة منصوبة ، يرى الحق صورته في مرآة الإنسان ، ويرى الخلق أيضا صورته فيه ، فمن حصل هذه المرتبة حصل رتبة الكمال الذي لا أكمل منه في الإمكان ، ومعنى رؤية صورة الحق فيه ، إطلاق جميع الأسماء الإلهية عليه ، كما جاء في الخبر : فبهم تنصرون ، واللّه الناصر ، وبهم ترزقون ، واللّه الرازق ، وبهم ترحمون ، واللّه