محمود محمود الغراب
12
الإنسان الكامل من كلام الشيخ الأكبر
الإنسان الكامل هو الحق المخلوق به : لما كان الإنسان الكامل هو المخلوق على الصورة الإلهية ، فهو الحق المخلوق به ، أي المخلوق بسببه العالم ، فإن الإنسان الكامل أكمل الموجودات ، وهو الغاية ، ولما كانت الغاية هي المطلوبة بالخلق المتقدم عليها ، فما خلق ما تقدم عليها إلا لأجلها وظهور عينها ، ولولاها ما ظهر ما تقدمها ، فالغاية هو الأمر المخلوق بسببه ما تقدم من أسباب ظهوره ، وهو الإنسان الكامل ، وإنما قلنا الكامل لأن اسم الإنسان قد يطلق على المشبه به في الصورة ، كما تقول في زيد إنه إنسان ، وفي عمرو إنه إنسان ، وإن كان زيد قد ظهرت فيه الحقائق الإلهية ، وما ظهرت في عمرو ، فعمرو على الحقيقة حيوان في شكل إنسان ، ففي الإنسان قوة كل موجود في العالم ، فله جميع المراتب ، ولهذا اختص وحده بالصورة ، فجمع بين الحقائق الإلهية وهي الأسماء ، وبين حقائق العالم ، فإنه آخر موجود ، فما انتهى لوجوده النفس الرحماني حتى جاء معه بقوة مراتب العالم كله ، فيظهر بالإنسان ما لا يظهر بجزء جزء من العالم ، ولا بكل اسم اسم من الحقائق الإلهية ، فإن الاسم الواحد ما يعطي ما يعطي الآخر مما يتميز به ، فكان الإنسان أكمل الموجودات ، فكل ما سوى الإنسان خلق ، إلا الإنسان فإنه خلق وحق . ( ف ج 2 / 396 ) . حكم الصورة الإلهية على الإنسان : لما خلق اللّه الإنسان على صورته - وله تعالى العزة والكبرياء والعظمة - سرت هذه الأحكام في العبد ، فإنها أحكام تتبع الصورة التي خلق عليها الإنسان وتستلزمها ، فيظهر بالرياسة والتقدم ، وكلما تمكن من التأثير في غيره فإنه يؤثر ، ويجد في نفسه طلب ذلك ، ورجال اللّه هم الذين لا يصرفهم خلقهم على الصورة عن الفقر والذلة والعبودية ، وإذا وجدوا هذا الأمر الذي اقتضاه خلقهم على الصورة ولابد ، ظهروا به في المواطن التي عيّن الحق لهم أن يظهروا بذلك فيها . ( ف ج 4 / 13 ) . ومن حكم الصورة أن جعل اللّه الإنسان مثلا ضدا خلافا ، مثل ما هي الأسماء الإلهية ، مثل ضد خلاف ، فإن الحق اعتنى بالإنسان غاية العناية ما لم يعتن بمخلوق ، بكونه جعله خليفة ، وأعطاه الكمال بعلم الأسماء ، وخلقه على الصورة الإلهية ، وأكمل من الصورة الإلهية ما يمكن أن يكون في الوجود ، فالإنسان الكامل مثل من حيث الصورة الإلهية ، ضد من حيث أنه لا يصح أن يكون في حال كونه عبدا ربا لمن هو له عبد ، خلاف