كامل مصطفى الشيبي
89
شرح ديوان الحلاج
وفتح باب الدفاع عن الحلّاج في الدوائر الكلامية والصوفية والفلسفية على مصراعيه . وإتماما للفائدة نسجل هنا الفقرة المعينة التي دافع بها الغزالي عن الحلّاج وأبي يزيد البسطامي والشاطحين من الصوفية على العموم . قال الغزالي : « إشارة : العارفون ، بعد العروج إلى سماء الحقيقة ، اتّفقوا على أنّهم لم يروا في الوجود إلّا الواحد الحق . لكنّ منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميّا ، ومنهم من صار له ذلك حالا ذوقيا . وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متّسع لا لذكر غير اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضا . فلم يكن عندهم إلا اللّه ، فسكروا سكرا دفع دونه سلطان عقولهم ، فقال أحدهم [ الحلّاج ] : أنا الحق ، وقال الآخر [ أبو يزيد البسطامي ، ت 261 ه / 875 م ] : سبحاني ما أعظم شأني ، وقال آخر ( هو أيضا ، وتنسب أيضا إلى أبي سعيد بن أبي الخير ) « 1 » : ما في الجبّة إلا اللّه . وكلام العشاق ، في حال السكر ، يطوى ولا يحكى . فلما خفّ عنهم سكرهم وردّوا إلى سلطان العقل ، الذي هو ميزان اللّه في أرضه ، عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل شبه الاتّحاد مثل قول العاشق ، في حال فرط عشقه : أنا من أهوى ومن أهوى أنا [ وهو الحلّاج كما لا يخفى ] ولا يبعد أن يفاجئ الإنسان مرآة فينظر فيها - ولم ير المرآة قطّ - فيظنّ أن الصورة التي رآها هي صورة لمرآة متحدة بها ، ويرى الخمر في الزجاج فيظن أن الخمر لون الزجاج . وإذا صار ذلك عنده مألوفا ورسخ فيه قدمه استغفر وقال : [ وهو الصاحب بن عباد ] رق الزجاج ورقّت الخمر * فتشابها فتشاكل الأمر
--> ( 1 ) مرصاد العباد للرازي ص 178 .