كامل مصطفى الشيبي

25

شرح ديوان الحلاج

والصوفية « تدّعي له المعجزات من طرائق التصوف وما يسمونه معونات . . . » « 1 » . ويبدو أن صدر الحلّاج قد ضاق بفعل هذه الخصومة ، فقصد إلى الجنيد بن محمد البغدادي ، شيخ الطائفة ( الصوفية ) ( ت 298 ه / 910 - 11 م ) يستشيره ويستنصحه « فأمره بالسكون والمراعاة » « 2 » ، فصبر على ذلك مدة . ولما استمر الأمر ، مقرونا بالظروف الصعبة التي كانت البصرة كلها تعانيها ، ترك الحلّاج المدينة قاصدا مكة لأداء فريضة الحج ، وجاور هناك سنة كاملة أنفقها في ممارسة أشقّ الرياضات الصوفية بتعريض جسده لأشدّ ألوان العذاب الجسماني ، من اقتصار على الخبز والماء وتعرّض لأشعة الشمس اللافحة ، في جبال مكة الجرداء « 3 » . وذكر عنه في هذه الفترة أنه « كان مشهورا بصحبة صوفي بمكة بعد مفارقته صوفية فارس » « 4 » . وبعد عودة الحلّاج من مكة بدا للناس في صورة شيخ واثق في نفسه إلى حد الإفراط ، واستقل في العمل ، وحمله طموحه على أن يشطح في عباراته ويبالغ في مواجيده ولا يتحرى الحيطة في أفعاله مما أثار ثائرة الصوفية ، وشيخهم الجنيد على الخصوص ، وكانوا يتوقّعون كثيرا من اطّلاع الناس على أسرارهم الثقافية والتطبيقية خشية وقوعهم تحت طائلة الفقهاء من

--> ( 1 ) نشوار المحاضرة ص 12 . ( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 112 ، أربعة نصوص ( نص ابن باكويه ) ص 28 . ( 3 ) أيضا 8 / 112 ، وفيه ، أن الحلاج دخل إلى مكة « وكان أول دخلته » ، « فجلس في صحن المسجد سنة لا يبرح من موضعه إلا للطهارة أو للطواف ولا يبالي بالشمس ولا بالمطر . وكان يحمل إليه كل عشية كوز ماء للشراب وقرص من أقراص مكة ، فيأخذ القرص ويعضّ أربع عضات من جوانبه ويشرب من الماء ، شربة قبل الطعام وشربة بعده ، ثم يضع باقي القرص على رأس الكوز فيحمل من عنده » . وذكر أنه رآه جمع من الصوفية و « هو جالس على صخرة من ( جبل ) أبي قبيس في الشمس . والعرق يسيل منه على تلك الصخرة » . وكان تعليق أحد الصوفية على هذا المشهد قوله لعمرو بن عثمان المكي - الذي حضر هذه الواقعة : « إن عشت تر ما يلقى هذا ، لأن اللّه يبتليه ببلاء لا يطيقه : قعد يتصبر مع اللّه » . ( 4 ) المغني في أبواب التوحيد للقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي ( ت 415 ه / 1024 م ) الجزء 15 ، التنبؤات والمعجزات ، تحقيق الدكتور محمود قاسم ، مصر 1965 م ، ص 720 .