كامل مصطفى الشيبي

17

شرح ديوان الحلاج

وتحقيقنا غير هذا لكفى . أما النماذج على هذه التصحيفات الكثيرة التي حفلت بها طبعات ماسينيون ، فأجلّ هذا التقديم أن يشاب به ، وأحيل القارئ على صلب العمل ليستكشفه بنفسه . وعلى عادتي في الربط بين عالمي الأدب التقليدي والصوفي ، في المجالات المشتركة بينهما ، نبهت إلى المعاني الشعرية التي طرقها الحلّاج أولا ثم الشعراء التقليديون من قبله ومن بعده ، وتبين لي أن صوفينا كان كثيرا ما يصوّر بألفاظهم ويركب من معانيهم ، ولكنّ مسحة التجريد والتسامي لازمت تعبيراته دائما ، ومن هنا أطرد في أشعاره طابع واضح ثابت وأسلوب متميز من أوّل كلمة فيه إلى آخرها . وسيرى القارئ أنّ ما عدّ شنيعا وفظيعا من معاني الحلّاج التي ميل بها إلى الكفر وبرّرت بها تهمة الحلول وادّعاء الربوبية لم يكن إلا تعبيرا حسيا طرقه الشعراء التقليديون كما طرقه الحلّاج دون أن يدور بخلد أحد اتهام الأوّلين به أو يبرّئ الأخير من تبعته ، وذلك عجيب حقا . ونموذج على هذا يتمثل في قول الحلّاج : أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته * وإذا أبصرته أبصرتنا وقوله : اقتلوني يا ثقاتي * إنّ في قتلي حياتي وحياتي في مماتي * ومماتي في حياتي إلخ ، وسيجد القارئ في صلب الديوان وحواشيه أنّ هذه المعاني أدبية توشك أن تكون حسية في دنيا الأدب التقليدي ، وقد طرقها الشعراء الذين نألفهم على هذا الأساس . وشيء آخر يهمني أن أبثّه القراء ، وذلك أني تصدّيت لجمع مادة تتصل بجوانب الحلّاج ، المختلفة ، فوفّقت إلى إحراز ما يكفي لكتابة كتاب كبير وأصيل ، لكني وجدت ديوانا للحلّاج ، دون مقدّمة ضافية ، عملا ناقصا ، ومن هنا عدت إلى ذخائري أحاول أن أستخلص منها شيئا يسيرا لا يخلّ في هذا