مجموعة مؤلفين

73

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

هذا القول عن هذا الديوان بخاصة ، فهو إنما يساير نظرته العامة ، التي تجعل من الأشياء والصور « مسارح تتجلى فيها صفات الحق وأسماؤه - بل هي عين تلك الصفات والأسماء ؛ فكل صفة وجودية ندركها في الأشياء ، إنما هي مجلى خاص من مجالي صفة إلهية مطلقة ، أو اسم إلهي مطلق » « 1 » ولم نكن لنتشكك في صدق هذا الزعم بالنسبة إلى ديوان « ترجمان الأشواق » لولا أننا وجدنا قصائد كثيرة من قصائده تكون أكثر انسياقا مع المعنى الغزلى المباشر ، وأن أمثال هذه القصائد ، حين تؤوّل على التفسير الصوفي ، يقتضى شيئا من الاعتساف الذي يشد المعنى شدا يخرجه عن طريقه السوىّ السليم ؛ على أنه من الحق كذلك أن ثمة قصائد أخرى نراها أكثر انسياقا مع التأويل الصوفي منها مع الغزل المباشر ، كما أن هنالك فئة ثالثة من القصائد يكاد يتوازن فيها الاتجاهان موازنة عادلة ، فهي متسقة مع الغزل المباشر اتساقها مع التأويلات الصوفية على حد سواء ، وسنسوق - في موضع تال من هذا المقال - أمثلة توضح هذه الحالات الثلاث . - 2 - [ وفي مقدمة الديوان ، وكذلك في مواضع أخرى من الشرح . . . ] وفي مقدمة الديوان ، وكذلك في مواضع أخرى من الشرح - وقد أطلق على شرح الديوان اسم « ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق » - إشارات تدل دلالة واضحة على منهج الرمز عند ابن عربى ؛ ففي قصيدة قوامها ستة عشر بيتا ، يوردها في المقدمة ، يضع قاعدته الأولى ، ويسوق لها الأمثلة ، وهي أنه إذا ما ذكر في حديثه طللا ، أو سحابا ، أو زهرا ، أو بروقا ، أو رعودا أو غير ذلك من صور الكائنات ، فينبغي للقارئ أن يصرف الخاطر عن ظاهرها وأن يطلب الباطن المختفى وراء ذلك الظاهر ، ليعلم المعنى المقصود ، لا بل إن الضمائر والحروف ينبغي كذلك أن تؤول عند الفهم تأويلا يستخرج منها السر الصوفي الكامن فيها :

--> ( 1 ) « التصوف » للدكتور أبو العلا عفيفي ، ص 236 .