مجموعة مؤلفين
72
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
نحو ثمانية وثلاثين عاما - التقى بجماعة من الفضلاء ، كان من بينهم « الشيخ العالم الإمام بمقام إبراهيم عليه السلام ، نزيل مكة البلد الأمين ، مكين الدين أبى شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني » وكان لهذا الشيخ « بنت عذراء . . . تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس والبها . . . ساحرة الطرف ، عراقية الظرف ، إن أسهبت أتعبت ، وإن أوجزت أعجزت ، وإن أفصحت أوضحت . . . ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض ، السيئة الأغراض ، لأخذت في شرح ما أودع اللّه تعالى في خلقها من الحسن ، وفي خلقها الذي هو روضة المزن . . . فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق ، وعبارات الغزل اللائق ، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ، ويثيره الأنس ، من كريم ودها . . . فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكنى ، وكل دار أندبها فدارها أعنى ؛ ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية ، والتنزلات الروحية ، والمناسبات العلوية ، جريا على طريقتنا المثلى . . . » غير أن بعض الفقهاء بمدينة حلب أنكر على أشعار هذا الديوان أن تكون من الأسرار الإلهية ، وأن الشيخ إنما يريد به غزلا حقيقيا بفتاة حقيقية ، وإن يكن يخفى ذلك لكونه منسوبا إلى الصلاح والدين ، فما إن جاء هذا النبأ إلى ابن عربى ، حتى شرع في شرح ديوانه على مسمع من جماعة من الفقهاء ، شرحا يوضح كيف يصاغ القول بعبارات الغزل والتشبيب ، حين يكون المقصود هو الأسرار الإلهية ؛ فلما سمع الشرح ذلك المنكر ، تاب إلى اللّه . والحق أن ما يذكره ابن عربى عن هذا الديوان بصفة خاصة ، حين يقول « وشرحت ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية . . أشير بها إلى معارف ، ربانية ، وأنوار إلهية ، وأسرار روحانية ، وعلوم عقلية ، وتنبيهات شرعية ، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب لتعشق النفوس بهذه العبارات - فتتوفر الدواعي على الإصغاء إليها » حين يقول ابن عربى