مجموعة مؤلفين

71

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

الشرح إلا أن يعود بنا من رمز السحاب الممطر الوارد في القصيدة إلى الحالة الداخلية التي كانت مبعث ذلك الرمز ، والتي هي حالة التنزلات الروحانية . لكننا نرجح أن ابن عربى - في بعض قصائده - لم يقف في الحالتين موقفا واحدا ، ففي الحالة الأولى - حالة كونه شاعرا - صدر في شعره عن حب حقيقي لفتاة حقيقية ، اسمها « النظام » وهي ابنة شيخه في مكة ، مكين الدين أبى شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجا الأصفهاني ؛ وفي الحالة الثانية - حالة كونه شارحا لشعره - صدر في الشرح والتأويل عن رغبته في أن تكون الرموز الواردة في ذلك الشعر صالحة للتفسير الصوفي ؛ مما اقتضاه في عملية الشرح إعمال العقل وذكائه . وإظهار القدرة على تخريج معان من رموز لم تكن في الأصل مقصودة لها ، فوجدناه موفقا في مواضع ، معتسفا في مواضع أخرى ، كما وجدنا الفرق هائلا بين سلاسة الشعر ودفء العاطفة فيه ، وبين التواء العبارة النثرية التي جاءت تشرحه ، التواء يوحى بالجهد المبذول نحو صرف المعنى إلى أصل غير أصله ، وإننا أمام هذا الفرق البعيد بين وضوح الشعر وغموض النثر ، لنكاد نرتاب في أن يكون الشارح هو نفسه الشاعر ، كما قد ورد في مقدمة الديوان التي كتبها الشاعر نفسه . ولو كان ابن عربى قد وقف موقفا واحدا في شعره وفي تحليله لذلك الشعر ، أو لو كان الشاعر هو نفسه الناقد ، لما رأينا تأويله لبعض رموز شعره يتخذ صورة « إما . . . أو . . . » أي لما رأيناه بالنسبة للرمز الواحد يقول إن هذا الرمز إما يشير إلى كذا أو إلى كيت ، لأن هذا التردد لا يكون - في الأغلب - إلا إذا كان صاحب التحليل والتأويل لا يعلم على وجه اليقين ما كان في بطن الشاعر وهو ينظم ، كأن يقول عن « الركائب » إنها إما الإبل وإما السحاب ، وعن الغزال إنه إما يشير إلى الغزل مع الحبيب ، أو إلى حالة التجريد التي تتناسب مع شرود الغزال في الأرض الفلاة . ومهما يكن من أمر القصائد وشروحها ، فها هي ذي قصتها كما يرويها لنا ابن عربى في المقدمة ، يقول إنه لما نزل مكة - وكان له من العمر عندئذ