مجموعة مؤلفين

70

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

في ديوانه « ترجمان الأشواق « 1 » » لأنه بمثابة من وجد نفسه أمام طائفة من الرموز المجسدة ، وأراد أن يلتمس لها من الحياة الشعورية الداخلية ما يصلح أن يكون مرموزات لها ؛ فالموقف هنا شبيه بما يحدث بين الشاعر من جهة والناقد من جهة أخرى ، ذلك أن الشاعر بعد أن ينبض قلبه بخلجات وجدانه ، وبعد أن يسكب هذه الخلجات في صور محسة مجسدة ، يعرضها على سامعيه أو قارئيه ، يجئ الناقد - أو مجموعة النقاد - فيبدأ السير من هذه الصور الخارجية التي يصادفها في شعر الشاعر ، ملتمسا طريقه إلى ما عساها أن تكون الحالات الوجدانية الداخلية التي كانت قد اختلجت في قلب الشاعر حين نظم ما نظم ؛ فاتجاه السير عند الناقد مضاد لاتجاه السير عند الشاعر ، فهذا ينتقل من باطن إلى ظاهر ، وذاك ينتقل من ظاهر إلى باطن ، وكثيرا ما يقع الناقد على أكثر من تأويل واحد للرمز الذي يحاول تأويله ، فيظل يتساءل : ترى هل أراد الشاعر بهذا الرمز كذا أو كذا من حالاته ؟ وما أكثر ما يختلف النقاد في تفسير الصورة الشعرية الواحدة ، فهذا يرجعها إلى معنى ، وذلك يرجعها إلى معنى آخر ، لأن المعنى كامن في بطن الشاعر - كما يقولون - ومحاولة الوصول إليه اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ . وابن عربى في ديوانه « ترجمان الأشواق » كان شاعرا ، ثم كان ناقدا ؛ نظم قصائده ، ثم حدث له من الظروف ما حمله على تفسيرها ، أعنى على أن يرجع بما هو وارد فيها من رموز وصور ، إلى الأصل الباطني الذي كان باعثا على خلق تلك الرموز والصور ، ولو وقف ابن عربى في الحالتين : حالة كونه شاعرا شعر فنظم ، وحالة كونه ناقدا مفسرا يرد النظم ورموزه إلى منبعه الشعورى الخبىء ، أقول إن ابن عربى لو وقف في هاتين الحالتين موقفا واحدا ، لجاء سيره من الداخل إلى الخارج متطابقا مع سيره من الخارج إلى الداخل ، وإن اختلف اتجاه السير في الحالتين ، فإذا كانت حالة التنزلات الروحانية - قد تجسدت في صورة السحاب الممطر ، فما عليه عندما يريد

--> ( 1 ) اعتمدنا على طبعة « دار صادر » ، بيروت 1961