مجموعة مؤلفين
53
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
أصلية وأصيلة معا ، وهي فكرة الواحد ، الذي هو عنده كل شئ ، ويصدر عنه كل شئ ، ويرد إليه كل شئ ، ومع ذلك لا يصح أن يتحد به أن يتحد هو بأي شئ ، كما فطن هو على طريقته البارعة إلى أن الاتحاد لا يصح في هذا الموضع ، فإذا هو ينبه عليه ، ويحذر منه ، فيقول : « . . . فتفطن لهذا الواحد والتوحيد ، واحذر من الاتحاد في هذا الموضع ، فإن الاتحاد لا يصح ، فإن الذاتين لا تكون واحدة ، وإنما هي واحدة الواحد في مرتين » ( كتاب الأحدية : مجموع الرسائل ، ص 6 ) . وأي فطنة أبرع ، وعبارة أروع ، من أن ابن عربى فيما ينبه به ، ويحذر منه ، من جواز الاتحاد الذي لا يصح في نظره بين الذاتين ، كان أمعن ما كان في التعبير عما يعنيه من نفى الاتحاد بلغة الوحدة التي لا اثنينية ولا كثرة معها ، وذلك إذ يصطنع مع لفظة ، « الذاتين » وهي مثناة الفعل المضارع « تكون » ، وضمير الغائب للمؤنثة « هي » ، وهذا أو ذاك لا يصطنع أحدهما أو كلاهما في اللغة الاتحدثا عن مفردة مؤنثة واحدة لا عن اثنتين كانتا كذلك ثم صارتا ذاتا واحدة . - 3 - روائع من الكنوز في بدائع من الرموز بقي أن نقف مع الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربى عند طائفة من نصوصه التي حفلت بروائع من الكنوز ، مودعة في بدائع من الرموز ، وأن نطيل وقوفنا عندها ، وتأملنا فيها ، وتذوقنا لها ، فلعلنا نستطيع أن نستلهمها ، ونستهديها ، وأن نستكنهها ونستوحيها ، على أوجه من التأمل والتدبر والتذوق يتاح معها لقلوبنا وعقولنا وأذواقنا أن تتعرف على ما صورت من حقائق ، وما عبرت عنه من دقائق ، وما تأرجت به من رقائق ، تتصل ، كلها من قريب أو من بعيد بأرفع الموضوعات وأسماها ، ومختلف الموجودات من أعلاها إلى أدناها ، كالمعرفة أو العرفان وطبقات العارفين ، والذات الإلهية ، وصفاتها وتجلياتها في الأكوان ، والحقيقة المحمدية ومقاماتها وكمالاتها ، والعوالم