مجموعة مؤلفين
54
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
من علوية وسفلية ، ومن ملكية وإنسانية ، ومن حيوانية ونباتية وجمادية ، بحيث نتبين معه من هذا كله ، أن الشيخ الأكبر لم يكن صاحب ذوق فحسب ، ولا صاحب عقل ونظر عقلي فحسب ، ولا مصطنعا لأسلوب الرمز على أي الوجهين فحسب ، وإنما كان هذا كله حتى لتكاد شخصيته الصوفية وشخصيته الفلسفية تتشحان بوشاح واحد لا ندري معه إلى أي الطائفتين يصح أن ننسب ابن عربى ، أهو إلى الفلاسفة المدققين أم إلى الصوفية الذائقين المحققين أقرب وأنسب . ومهما من شئ فلأدع الشيخ الأكبر يتحدث بلسان حاله ومقاله ، ثم لأعقب عليه بعد ذلك بما أراه أوضح لحاله ، وأبين عن مقاله ، واللّه ولى التوفيق . 1 - كنوز عرفانة في رموز بحرية ونهرية : قال ابن عربى في « كتاب شق الجيب » ما نصه : « قال السالك : أشهدنى الحق الأنهار ، وقال لي : تأمل وقوعها . فرأيتها تقع في أربعة أبحر : الواحد يرمى في بحر الأرواح ، والثاني يرمى في بحر الخطاب ، والنهر الثالث يرمى في بحر الشكر ، والنهر الرابع يرمى في بحر الحب . ويتفرع من هذه الأنهار الأربعة ، ويتفجر من ذلك ، البحر المحيط ، ثم ترجع إليه من بعد الامتزاج بهذه الأبحر الأربعة . فقال لي : هذا البحر المحيط بحرى ، لكن ادعت السواحل أنه لها . فمن رأى البحر المحيط قبل الأبحر والأنهار ، ثم لا بحر ، فذلك صديق ، ومن شاهده دفعة واحدة ، فذلك شهيد ؛ ومن شاهد الأنهار ثم الأبحار ، فذلك صاحب دليل ؛ ومن شاهد الأبحر ثم الأنهار ، ثم البحر ، فذلك صاحب آفات ، لكنه ناج . ثم قال لي : من كان من أهل عنايتى ، أنشأت له مركبا ، فجرى به في الأنهار حتى قطعها ؛ فإذا رميت به في الأبحر ، جرى فيها حتى ينتهى إلى البحر المحيط ؛ فإذا انتهى إليه علم الحقائق ، وكاشف الأسرار ، وإلى هذا البحر ينتهى المقربون ، ثم قال : فالمؤمن به صدق وانصرف ، والعالم قام له البرهان