مجموعة مؤلفين

51

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

والنجوم والأناسى والشياطين والحيوانات والشجر والجمادات . فصارت الأحدية سارية في كل موجود ، فزال طمع الإنسان من الاختصاص وإنما عمت الأحدية جميع المخلوقات للسريان الإلهى الذي لا يشعر به خلقه إلا من يشاء اللّه ، وهو قوله تعالى : « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » ، وقضاؤه لا سبيل أن يكون في وسع مخلوق أن يرده ، فهو ماض نافذ ، فما عبد عابد غيره سبحانه ، فإذا الشريك هو الأحد ، وليس المعبود هو الشخص المنصوب ، وإنما هو السر المطلوب ، وهو السر الأحد ، وهو مطلوب لا يلحق ، وإنما يعبد الرب واللّه الجامع ، ولهذا أشير لأهل الأفهام بقوله : « وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » ، لأن الأحد لا يقبل الشركة ، وليست له العبادة ، وإنما هي للرب ، فنبه على توقيفه مقام الربوبية وإبقاء الأحدية على التنزيه الذي أشرنا إليه . فالأحد عزيز منيع الحمى ، لم يزل في العما ، لا يصح فيه تجل أبدا ، فإن حقيقته تمنع ، وهو الوجه الذي له السبحات المحرقة ، فكيف هو ؟ . . . والواحد لم يثن بغيره أصلا ، وإنما العدد والكثرة يتصرف فيه في مراتب معقولة غير موجودة ، فكل ما في الوجود واحد ، ولو لم يكن واحد لم تصح أن تثبت الوحدانية عنده سبحانه ، فإنه ما أثبت لموجود إلا ما هو عليه ، كما قيل : وفي كل شئ له آية * تدل على أنه واحد وهذه الآية التي في كل شئ تدل على وحدانية في كل شئ لأمر آخر ، وما في الوجود من شئ ، من جماد وغيره ، وعال وسافل ، إلا وهو عارف بوحدانية خالقة ، فهو واحد ولا بد . . . » ( كتاب الأحدية : مجموع الرسائل ، ص 3 - 5 ) . وعلى هذا النحو من توضيح المشكل ، وتفصيل المجمل ، فيما يتعلق بفكرتى الأحدية والوحدانية من ناحية ، وبفكرتى التعدد والكثرة من ناحية أخرى ، وبتطبيق هذه الأفكار كلها على الوجود والموجودات ، يمضى الشيخ الأكبر في التعبير عن فلسفته الوجودية تعبيرا رمزيا عدديا قوامه الأعداد