مجموعة مؤلفين

45

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

وفي مستهل هذا الكتاب أبان ابن عربى عن الغرض الذي قصد إليه منه ، ومن غيره من المصنفات الأخرى ، وهاهنا يتحدث أولا عن مصنف آخر غير ( عنقاء مغرب ) ، وكان قد صنفه من قبل ، وهو كتابه المسمى ( التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية ) ، فإذا هو يقول إنه جعل في هذا الكتاب من الإنسان عالما صغيرا منسوخا من العالم الكبير ، بحيث أن كل ما ظهر في الكون الأكبر ، فهو في هذا العين الأصغر ، وإذا هو لا يتحدث هنا عن مضاهاة الإنسان بالعالم على الإطلاق ، بل عما يقابل الإنسان من جهة الخلافة والتدبير ، فبين ما هو من الإنسان كاتب ، وما هو وزير ، وما هو القاضي العادل ، وعمن يكونون من أفراد الإنسان أمناء ، وعاملين على الصدقات ، وسفراء ، وعن السبب الذي جعل الحرب بين العقل والهوى ، كما رتب مقابلة الأعداء ، ومتى يكون اللقاء ، وعن نصرة الإنسان نصرا مؤزرا ، وتكوينه أميرا مدبرا ، وعن إنشاء الملك ، وإقامة الحياة ببعض عالمه ، والهلك ببعضه الآخر ، فكمل الغرض ، وآمن من كان في قلبه مرض . ثم يستطرد ابن عربى فإذا هو يقول إنه كان قد نوى أن يجعل في هذا الكتاب ما يوضحه تارة ، وما يخفيه تارة أخرى ، وأين يكون من هذه النسخة الإنسانية ، والنشأة الروحانية ، مقام هذا الإمام ، المنسوب إلى بيت النبي المقامي والطيني ، وأين يكون منها أيضا ختم الأولياء ، وطابع الأصفياء . ثم رأى ما أودع الحق من الأسرار لديه ، وتوكل في إبرازه عليه ، فجعل هذا الكتاب لمعرفة هذين المقامين . ويقول أيضا إنه متى تكلم على مثل هذا ، فهو إنما يذكر العالمين ، ليتبين الأمر للسامع في الكبير الذي يعرفه ويعقله ، ثم يضاهية بسره المودع في الإنسان الذي ينكره ويجهله ، إذ ليس لابن عربى - كما يقول - من غرض في كل ما يصنف في مثل هذا الفن ، إلا معرفة ما وجد في هذا العين ، لا معرفة ما ظهر في الكون . ثم يتساءل ابن عربى فيقول : « هل ينفعني في الآخرة كون السلطان عادلا أو جائرا ، أو عالما أو جاهلا . لا واللّه يا أخي ، حتى أنظر ذلك السلطان منى وإلىّ ، وأجعل عقلي إماما