مجموعة مؤلفين
46
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
علىّ ، وأطلب منه الآداب الشرعية في باطني وظاهري ، وأبايعه على إصلاح أولى وآخرى . فمتى لم أجعل هذا نظري هلكت ، ومتى أعرضت عن الاشتغال بالناس تمكنت من نجاتي وتملكت ، إذ قد قال صلى اللّه عليه وسلم يخاطب جميع أمته : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » ، فقد أثبت صلى اللّه عليه وسلم الإمامة لكل إنسان في نفسه ، وجعله مطلوبا بالحق في عالم غيبه وحسه . فإذا كان الأمر على هذا الحد ، ولزمنا الوفاء بالعهد ، فما لنا نفرط في سبيل النجاة ، ونقنع بأحط الدرجات ، ما هذا فعل من قال : إني عاقل وتجنب هذه المعاقل . فمتى ما ذكرت في كتابي هذا أوفى غيره حادثا من حوادث الأكوان ، فإنما غرضى أن أثبته في سمع السامع ، وأقابله بمثله في الإنسان ، فنصرف النظر فيه إلى ذاتنا ، الذي هو سبيل نجاتنا ، فأنشيه بكليته في هذه النشأة الإنسانية على حسب ما يعطيه المقام ، إما جسمانية ، وإما روحانية . فإياك أن تتوهم أيها الأخ الشقيق ، أن غرضى من كتبي كلها الكلام فيما خرج عن ذاتي ، من غير أن تلحظ فيه سبيل نجاتي . فما أبالي إذا نفسي تساعدنى * على النجاة بمن قد فاز أو هلكا فانظر إلى ملكك الأدنى تجد * في كل شخص على أجزائه ملكا وزنه بالعدل شرعا كل آونة * واسلك به خلفه من حيث ملكا ولا تكن ماردا تسعى لمفسدة * في ملك ذاتك لكن فيه كن ملكا فليتأمل ولى هذا الكتاب ، فإني أذكر الأمر من العالم الأكبر ، وأجعله كالقشر ، وأجعل ما يقابله من الإنسان كاللباب للسبب الذي ذكرته أن يتبين للسامع ما يجهله في الشئ الذي يعرفه ويعقله ، ولو وصل فهمه إليه دون ذكرى إياه ، ما لحظت ساعة محياه ، ولا عرجت لمحة بارق على معناه ، فإنما أسوقه مثالا للتقريب ، ومجالا للتهذيب ، وسأورد ذلك إن شاء اللّه تعالى في هذا الكتاب من لآلئ الأصداف ، ونواشئ الأعراف ، التي هي أمثال نصبها الحق للمؤمنين والعارفين ، حبالة صائد ، وتحفة قاصد ، وعبرة لبيب ، وملاطفة حبيب » ( ابن عربى : عنقاء مغرب ، المطبعة الرحمانية ص 4 - ص 7 ) .